مجتمعسياسة

فرنسا الانقلابات: من قيادتها في إفريقيا إلى دعمها في جنوب أمريكا

مرورا بمصر

 

 

أصبح مشهدا مثيرا في العالم، أن تنقلب مواقف وحتى صورة الدول التي لطالما احتكرت لنفسها التقدمية وقيم الحرية وحقوق الإنسان الكونية إلى شوفينيات قاتلة في داخلها أو في خارجها، فالمتغيرات الأخيرة في أكثر من مكان من العالم كشفت زيف الكثير من الأطروحات بل وحرّضت مرارا على إعادة بناء سرديّة القيم الإنسانية، بعيدا عن التحيز الجغرافيا الذي كان يلازمها.

 

فرنسا التي احتكرت قيم الحداثة وما بعدها تتهاوى بسرعة قصوى نحو القاع في السنوات الأخيرة، لا يتعلّق الأمر بما تمّ كشفه فحسب من سرقات وفضاعات مارستها إبّان فترة الاستعمار أو بعدها، بل بمواقف وتصرفات تتناقض جوهريا مع قيم الجمهورية الفرنسية التي تقول فرنسا مرارا أنها تعمل على نشرها في الخارج.

 

ليس أقلّ من المواقف الفرنسية من الانقلابات التي تنفّذ في أكثر من مكان من العالم دليلا على أن الأخيرة ليست سوى حاضنة غربية لدكتاتوريات فاشية قاتلة تمارس أبشع الجرائم ضدّ الإنسانية، فحتى إن لم تمارس ذلك بشكل علني فاضح فإنّ مجرد الوقوف مع خيار الانقلاب على السلطة مناقض لمبادئ الجمهورية.

 

انقلابات فرنسية في إفريقيا

لم تغادر فرنسا مستعمراتها الإفريقية، بل جعلتها تابعة لها بأشكال مختلفة من الهيمنة: من العملة، إلى طبيعة الخيارات الثقافية والتعليمية، إلى المنوال الاقتصادي، وصولا إلى نفوذ الشركات الفرنسية التي تنهب الثورات في بلدان تعيش المجاعة وكل أشكال التخلف والحرمان.

فرنسا التي تحتكر قيم الحداثة قامت برعاية أكثر من انقلاب في إفريقيا. ففي الأول من جانفي 1966، قام جان بيدل بوكاسا، عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي، بتنفيذ انقلاب ضد ديفيد داكو، أول رئيس منتخب لجمهورية أفريقيا الوسطى بدعم مباشر من الإيليزيه.

 

وفي الثالث من نفس الشهر خلال نفس السنة، موريس ياموجو، أول رئيس منتخب لجمهورية فولتا العليا – جمهورية بوركينا فاسو الآن- كان ضحية انقلاب تم تنفيذه من قبل أبي بكر سانجوليه لاميزانا، وهو أيضا عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي الذي قاتل مع القوات الفرنسية في إندونيسيا والجزائر ضد استقلال هذه الدول.

 

وتواصلت الانقلابات التي دعمتها فرنسا بعد ذلك، ففي السادس والعشرين من أكتوبر 1972، نفّذ ماثيو كيريكوو الذي كان يعمل حارسا أمنيا للرئيس هوبرت ماجا، أوّل رئيس منتخب لجمهورية بنين، انقلابا ضد الرئيس، بعد أن درس في الكليات العسكرية الفرنسية في الفترة من 1968 حتى عام 1970، وتلقى الضوء الأخضر من باريس لمسك السلطة.

 

مصر وفنزويلا

إذا كان تاريخ الانقلابات الفرنسية في إفريقيا بعيدا بعض الشيء في الذاكرة، فإنّ ما يحدث في الزمن القريب أكثر فضائحيّة. ففرنسا وقفت بشكل واضح ضدّ أول ثورة عربية تطلب الديمقراطية، شهدتها تونس في نهايةسنة 2010 وبداية 2011 ضدّ حكم الطاغية زين العابدين بن علي.

فرنسا، لم تتردّد مطلقا في دعم قائد الانقلاب العسكري الدموي في مصر، في موقف شبيه بدعمها لمجازر الخمير الحمر في مشهد يعيد نفسه في شكل مجزرة وجريمة مروّعة. وكانت صفقة طائرات “الرافال” الفرنسية التي اشترتها مصر بوليصة للدعم والصمت على القمع ضد المعارضين في الداخل.

هذه الأيام، تعود فرنسا إلى صنيعها. فبعد زيارته للانقلابي عبد الفتاح السيسي بأيام قليلة، يصطف الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بشكل واضح وراء الموقف الأمريكي المساند لانقلاب خوان غوايدو على السلطة في فنزويلا، ضدّ الرئيس المباشر نيكولاس مادورو، بعد احتجاجات وحالة من الانقسام تشهدها البلاد.

 

فرنسا أعلنت بشكل واضح اعترافها بغوايدو رئيسا لفنزويلا، بينما تقول الأمم المتحدة أنها لا تعترف بغير نيكولاس مادورو. وهو نفس الموقف الذي تتبناه تركيا وروسيا ودول أخرى دعت بوضوح دولا أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية لرفع يدها عن فنزويلا.

 

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.