مجتمعسياسة

من باريس إلى الخرطوم: الربيع العربي مازال يلهم الشعوب

قبل سنة 2011، كانت الأزمة الاقتصاديّة العالمية تلقي بظلالها على المشهد وسط حلول ومؤتمرات وسعي حثيث لتجاوز مخلفاتها على الاقتصاد العالمي، التوازنات باقية على حالها والأجواء تتّجه نحو تأبيد وضع قائم في كل الأركان من القارات الخمس تقريبا، لكن نهاية سنة 2010 قلبت كل شيء.

 

في الأسبوعين الأخيرين، من سنة 2010 ومع بداية سنة 2011، شهد العالم ميلاد موجة هي الأكبر من نوعها للشعوب ضدّ نظم دكتاتورية وسياسيات فساد وقمع متوحش في أكثر من مكان من العالم، ولكن المفاجأة أن تحرّك الشارع والشعوب هذه المرة يحدث في المنطقة العربية التي لم يكن أحد يرى أنها تسير إلى تغيير بذلك الحجم.

 

ثورة في تونس تعقبها موجة من الثّورات العربية أسقطت أعتى الدكتاتوريات، ثم ينتقل حراك الشارع إلى أوروبا نفسها مع ما شهدته أوكرانيا، تبعا لذلك ولأشياء أخرى كثيرة في السنوات الثماني الأخيرة انقلبت توازنات عديدة وتغيرت التكتيكات والاستراتيجيات ومعها المصالح والغايات في أكثر من مكان.

 

Image associée

 

من باريس إلى الخرطوم

لا شيء تقريبا يمكن أن يربط بين العاصمة الفرنسية باريس والعاصمة السودانية الخرطوم، باستثناء خطوط الطيران والنقل الجوّي غير أن نهاية سنة 2018 وبداية سنة 2019، أوجدت رابطا آخر فالبلدان يشهدان أعنف موجات احتجاجية في تاريخهما على السياسات التي تنتهجها باريس والخرطوم داخليا.

 

منذ منتصف شهر نوفمبر 2018، لا تتوقّف حركة السترات الصفراء في فرنسا عن الاحتجاجات الأسبوعية الرافضة لسياسات اقتصادية يعتبرها المحتجون رأسمالية متوحشة تجاه الطبقات المتوسطة والفقيرة في البلاد، لكن الاحتجاجات تطوّرت أكثر بسبب العنف المفرط من طرف قوات الشرطة الفرنسية في التعامل مع المحتجين وبسبب الطريقة التي ردّ بها الرئيس ماكرون على الإحتجاجات.

 

بعيدا عن باريس بآلاف الكيلومترات، تشهد السودان حركة احتجاجية مترامية تطلب إسقاط النظام، مستدعية شعار الثورات العربية “الشعب يريد إسقاط النظام” ضدّ رئيس البلاد عمر حسن البشير وسياساته منذ عقود من الزمن. احتجاجات شهدت سقوط العشرات من القتلى بالرصاص، لكنها لا تتوقف رغم حملات الترهيب المتتالية.

 

خيط ناظم واحد بين باريس والخرطوم في الشهرين الأخيرين. فالبلدان يعيشان أسوأ الفترات بسبب احتجاجات شعبية تطلب حقّ المواطنين في بلد يعيشون فيه بعيدا عن السياسات التي يتهمونها بالفساد وغيره.

Résultat de recherche d'images pour "france yellow vest riots"

 

جرعة للشعوب

في أكثر من مكان في العالم، تعيش الشعوب وضع الهدوء الذي يسبق العاصفة خاصة تحت الأنظمة القمعية والفاسدة. وقد شهدت السنوات الأخيرة انتقالا متواصلا لموجات الشوارع من أجل التصدّي لأوضاع مزرية قائمة في أكثر من بلد، بما في ذلك تلك التي تعيش ديمقراطيات تقليدية. فقبل احتجاجات فرنسا المتواصلة، كان الشارع الأمريكي قد عبّر عن غضبه من رئيسه دونالد ترمب ومواقفه في مسيرات متتالية بالشوارع.

 

سنة 2011 حملت جرعة أمل للشعوب في كل أصقاع الدنيا معلنة إمكان التغيير عبر الشوارع والاحتجاج السلمي والمشروع ضدّ النظم والسياسات التي لم تعد تلك الشعوب ترى نفسها فيها أو تراها تخدم مصالحها على مستوايات مختلفة.

 

الربيع العربي وإن كثرت السكاكين التي تروم قتله في المهد، والدكاكين التي تعمل ليلا نهارا للالتفاف عليه، إلاّ أنه فرض توازنات جديدة في العالم عبر إعادته الحياة إلى ذلك الحق المنسي المغيّب منذ فترة من الزمن، وهو الحق في اللجوء إلى الشراع للتعبير عن رأي مخالف عوضا عن الصمت وقبول الأمر الواقع.

 

يمكن بشكل واضح تبين الأثر الواضح للربيع العربي على كل العالم تقريبا فموجات الثورات العربية أفرزت تغيرا كاملا في التوازنات بمنطقة الشرق الأوسط، وأسقطت ورقة التوت عن نظم العمالة والتطبيع والاستبداد في أكثر من بلد، لكنها فرضت متغيرات أخرى أيضا في أوروبا وأمريكا، بعد أن تمّ تغيير زاوية النظر إلى مناطق كانت “مزارع خلفية” لدول وشركات أخرى.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.