ثقافة

فطّوماتا دياوارا: صوت إفريقيا الشابّ‎

 

في مالي، بلد شيخ البلوز الإفريقي، الموسيقار القدير “علي فاركا توري”، وُلِدت عام 1982، إحدى الفنّانات البارزات عالميّا في هذه الفترة، المغنّية والممثّلة فطّوماتا دياوارا (Fatoumata Diawara)؛ واشتهرت باسم “فاطو”.

 

شاركت منذ طفولتها بالرقص في فرقة والدها للموسيقى والرقص التقليدي لمنطقة “واسولو” (Wassoulou)، مسقط رأسها. وكانت طفلة ذات شخصيّة قويّة ومتمرّدة منذ الصغر، فرفضت الذهاب إلى المدرسة، ممّا دفع والديها لإرسالها للعيش عند عمّتها في العاصمة الماليّة، باماكو؛ الّتي ظلّت فيها 10 سنوات، بعيدة عنهما.

 

عند وصولها لباماكو، وجدت “فاطو”، نفسها في استوديوهات السينما، تعتني برضيع عمّتها الّتي كانت تشتغل ممثلة. أُعجب أحد المخرجين بجمالها، فأعطاها دورا صغيرا في فيلم بعنوان: “قوّة النساء”؛ وهو ما دفع المخرج المالي المعروف “شيخ عمر سيساكو” (Cheikh Omar Sissoko) لأن يعطيها دورا رئيسيّا في فيلمه “الخلق” (La genèse) سنة 1999، حيث لعبت دورها أمام الممثّل الشهير “سوتيغي كوياتو” (Sotigui Kouyaté).

 

 

في سن الثامنة عشر، انتقلت “فاطو” للتمثيل في باريس حيث عملت في مسرحيّة “أونتيغون”، لسوفوكليس (Antigone de Sophocle)، تحت إشراف مخرجها داني كوياتي، وقامت بجولة للعروض في فرنسا.  وعادت إلى مالي سنة 2001، لتمثّل في فيلم “سِيّا” (Sia) حيث كانت بطلة الشريط الذي يروي قصّة الملحمة الإفريقيّة الأسطوريّة لصراع البطلة “سيّا ياتابيري” ضدّ ملك أسطوريّ شرّير. لقي هذا الشريط نجاحا باهرا في عديد من بلدان الغرب الافريقي، كمالي وغينيا والسينغال وبوركينا فاسو، حتّى أنّ فاطو أصبحت هي “سيّا” الحقيقيّة، في ذهن جمهور غرب إفريقيا. ورغم تهاطل الأدوار السينمائية عليها، إلّا أنّ عائلتها أرادت تزويجها كي تستقرّ وتكوّن أسرة، فأرغمتها على الظهور في التلفزيون والإعلان عن اعتزالها التمثيل.

 

 

في 2002، جاء مدير فرقة “اللوكس الملكي للمسرح” (Royal de Luxe) الفرنسيّة شخصيًّا، إلى باماكو ليقترح عليها دورا بطوليًّا في عرضه الجديد، ولكنّ العائلة لم تمنحها الموافقة ولا تصريح العبور. عندئذ، لم يتبقّ أمام فاطو سوى الهرب، وهو ما قامت به فعلًا، حين استقلّت الطائرة إلى الخارج، متحديّة خطر التتبّعات العدليّة والبوليسيّة التي طالتها، بعد أن أعلنت عائلتها أنّ المخرج الفرنسي قام باختطافها.

لعبت فاطو مع فرقة اللوكس الملكي، أدوارا عديدة وسافرت لتشارك في مجموعة من العروض في مختلف أنحاء العالم. في أوقات الراحة من التمارين، كانت فاطو تتسلّى بالغناء في الكواليس، وصادف أن سمعها مدير الفرقة، فأُعجِب بصوتها وقدرتها على الأداء، فدعاها للغناء أمام الجمهور في العروض. وحين قُوبِل صوتها باستحسان الجمهور، بدأت بالغناء الفعلي في النوادي الباريسيّة في أوقات راحتها من العروض المسرحيّة.

هناك، قابلت الموسيقي والمنتج المالي “شيخ تيديان ساك” (Cheikh Tidiane Seck)، فأقنعها بالعودة إلى مالي للعمل معه كمغنّية كورال، أثناء تسجيل اسطواناته الّتي يلحّنها للمغنّيات الشهيرات، كالماليّة “أومو سانغاري” (Oumou Sangaré) ومغنّية الجاز الأمريكيّة “دي دي بريدج واتر” (et Dee Dee Bridgewater). وسافرت معهنّ في جولات للمشاركة في العروض اللّاتي كنّ يقدّمنها في الخارج.

 

 

بعد هذه التجربة الّتي أضافت إليها الكثير من الجانب الموسيقي، عادت إلى فرنسا، وهناك شجّعتها المغنّية رقيّة تراوري على تعلّم عزف على آلة الغيتار، لتشارك في المسرحيّة الغنائيّة “كيريكو وكارابا” (Kirikou et Karaba) في دور كارابا. وقد كانت هذه التجربة رائعة وبنّاءة بالنسبة إلى فطّوماتا، الّتي كانت تذكر في مناسبات عديدة، كيف استطاعت الوقوف -لأوّل مرّة- أمام الجمهور بغيتار في يدها، وشعورها بالسعادة لأنّها وجدت الجرأة والشجاعة الكافيتيْن كي تفعل أمرًا كان في بلدها، حكرا على الرّجال فحسب.

لقد مثّلت هذه المغامرة، دافعًا كبيرًا لها حيث عرفت أنّ الموسيقى هي شغفها الحقيقي، وقرّرت أن تتفرّغ لها بالكامل. وبمجهودٍ فرديّ جادّ ومثابر، تمكّنت من إتقان العزف على الغيتار وكتابة كلمات أغانيها، لتصبح الفنّانة العصاميّة الأهمّ، في مالي، وغرب إفريقيا حاليًّا. ولم تكتفِ بتعلّم العزف على الغيتار فحسب، بل سعت إلى إتقان أكبر عدد ممكن من الآلات الّتي تستخدمها في توزيع أغانيها، فقامت بتسجيل بعض الأسطوانات، غنّت فيها وعزفت على جميع الآلات تقريبا.

 

 

في 2011، قدّمتها المغنّية “أومو سانغاري”، إلى شركة التسجيلات الموسيقيّة “World Circuit”، وبدأت في تسجيل أوّل ألبوماتها بعنوان “فاطو”. وبالرغم من انهماكها في هذا المشروع الموسيقي البكر، من حصص تسجيل وجولات موسيقيّة وحفلات، انطلقت فاطّو في مشروع موسيقي آخر للموسيقي الإنجليزي دامون ألبران (Damon Albarn)، بعنوان “Africa Express”، ثمّ في مشروع “AfroCubism” للمنتج والموسيقي الانجليزي نيك غولد، ومشروع موسيقي آخر هو “Imagine” لموسيقار الجاز الأمريكي هيربي هانكوك، إضافة إلى التعاون على تسجيل ألبوم موسيقي صحبة مغنّي السول والار آن بي الامريكي “يوبي ووماك”.

 

 

في جانفي 2013، وفي ردّة فعل على الأوضاع في مالي، قامت فاطّو بجمع أكثر من أربعين موسيقيّ من غرب إفريقيا، لتسجيل أغنية بعنوان “Mali Ko”. وكان من بين المشاركين في هذه الأغنية: أومو سانغاري، باسيكو كوياتي، فاركا توري الابن، توماني ديابيتي، تيكان جاه فاكولي وحبيب كواتي.. وفي 2014، قامت فطّوماتا دياوارا بجولة أوروبيّة، مع أحد أهمّ موسيقيّي الجاز اللاتيني، عازف البيانو الكوبي روبرتو فونسيكا، وما لبثا أن أعلنا تعاونهما في إنجاز ألبوم يحتوي على تسجيلات حيّة من حفلة قاما بإحيائها في مهرجان الجاز العالمي “مارسياك”، بعنوان: ” At Home”.

وعادت لتواصل الجمع بين العروض الموسيقيّة وظهورها في السينما، من خلال المشاركة في عديد الأفلام، أهمّها فيلم “تومبكتو” للمخرج الموريطاني الشهير، عبد الرحمن سيساكو، سنة 2015؛ الّذي أحرز على عديد الجوائز العالميّة، منها 7 جوائز سيزار، ووصوله إلى قائمة الأفلام المنافسة على السعفة الذهبيّة في مهرجان كان السينمائي وعلى أوسكار أحسن فيلم أجنبي. في شريط تومبكتو، لعبت دور فاطّو؛ وشاركت في تلحين الموسيقى التصويريّة، وغنّت شارة الفيلم الّتي تحمل عنوان، “تومبكتو فاسو”.

 

 

في 2016، شاركت في الشريط الوثائقي “مالي بلوز”، وهو شريط يوثّق لأعلام الموسيقى في مالي، ويصوّر آراءهم السياسيّة عمّا يحدث في بلدهم، ودور الموسيقى في بناء هويّة الفرد الإفريقي وكينونته. شارك في الظهور في هذا الوثائقي عديد الموسيقيّين، أهمّهم: أحمد آجي كاييدي، باسيكو كوياتي، وماستر سومي.

في السنوات الأخيرة، واصلت فطّوماتا دياوارا في تطوير موسيقاها، وذلك عبر مشاركتها في مشاريع موسيقيّة وحفلات لعديد من المغنّين والموسيقيّين، مثل مايارا أندرادي، أومارا بورتيوندو وأومو سانغاري. يُعتَبَر هذا المنجز الفنّي عظيمًا، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ فطّوماتا هي فنّانة عصاميّة وأنّ ظروفًا كثيرة كانت عقبة أمام نحت مسيرتها الفنّية، لكنّها تجاوزتها بإصرار وعزيمة عظيميْن، ليصدح صوتها، صوت مالي وإفريقيا في مختلف أنحاء العالم، امتدادًا لأسلافها العظماء، على رأسهم، الموسيقار المالي علي فاركا توري. كما يجدر بالذكر، أنّ فطّوماتا دياوارا، تبلغ السادسة والثلاثين من العمر الآن، ومازال أمامها طريق طويل للنضج الفنّي والإبداع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.