ثقافة

بيث هارت: في صوتها، مائة عام من الموسيقى‎

 

مثّل انتشار البلوز (Blues) وتطوّره في بداية القرن العشرين، ثورة في الموسيقى العالميّة. ثورة أعادت مدّت الجسور بين الموسيقى الغربيّة والإيقاعات ذات الجذور الإفريقيّة وألحانها. ووُلِدت من رحمه قوالب وأجناس موسيقيّة جديدة.

ومن رحلته الطويلة من مزارع القطن في ولاية الميسيسيبي الأمريكيّة، حتّى انتشاره في بقيّة الولايات الأمريكيّة الأخرى، شهد قالب البلوز تطوّرا مخصوصًا حسب طبيعة المكان الّذي استقرّ فيه مبدعوه وحسب تلاقحه مع القوالب الموسيقيّة الأخرى المنتشرة في أرجاء الولايات المتّحدة.

فظهرت مدارس متعدّدة، مثل مدرسة نيويورك أو تكساس أو كاليفورنيا، إلخ..

 

 

ومع صعود البلوز إلى القمّة من أربعينيّات القرن العشرين إلى ثمانينيّاته، تفرّعت منه أنماط موسيقيّة أخرى مثل موسيقى الجاز والروك آند رول والآر/آن/بي (Rhythm And Blues) والصول، لتبدأ في الظهور بفضل هذا التنوّع، مناخات خصبة لتوليد جمل لحنيّة وإيقاعيّة جديدة وللتجريب والمزج بين أنماط موسيقيّة مختلفة.

مثّل صعود موسيقى السود وانبهار الشباب الأوروبيّ بها، فرصة للموسيقى الغربيّة كي تجدّد نفسها.  وقد تأثر العديد من الموسيقيّين الأوروبيّين الشباب في هذه الفترة بروّاد موسيقى البلوز مثل هولوين وولف وإيتا جايمس وشاك بيري ومادي ووترز.

 

ولئن كان ظهور موسيقى الروك آند رول محسوبًا على الفنّان الأمريكي الأبيض إلفيس بريسلي، فإنّه لا يمكن إخفاء تأثّره الواضح، بل تقليده لسلفه تشاك بيري، رائدها الألمعي الأوّل.

كما أنّ ظهور موسيقى الروك (الّتي هيمنت على الجمهور الشبابي العالمي بعد الانحسار النسبي لشعبيّة موسيقى البلوز في تسعينيّات القرن الماضي) كان تحت تأثير حراك موسيقى السود في أمريكا خلال الخمسينيّات والستّينيّات من القرن الماضي، فظهرت -في أنقلترا- مجموعتيْ The Beatles وRolling Stones اللّذان ساهما صحبة العازف الأمريكي الأسود جيمي هندريكس، كلّ من موقعه، في بلورة ملامح تيّارات موسيقيّة جديدة: موسيقى الروك بأنواعها، وصولًا حتّى موسيقى الميتال بأشكالها المتعدّدة.

ومع صعود موسيقى الروك والميتال في أواخر ستيّنيات القرن الماضي (مع مجموعات فنّية عظيمة مثل Led Zeppelin وPink Floyd وQueen وDeep Purple)، ظلّت حتّى الآن، الموسيقى الشبابيّة الأكثر شعبيّة في العالم، لتسحب البساط نوعا مّا من تحت قدميْ الموسيقى الأمّ، موسيقى البلوز الساحرة؛ إضافة إلى صعود موجة فنّاني موسيقى البوب في الفترة نفسها، وعلى رأسهم الفنّان الراحل مايكل جاكسون.

 

 

في العقديْن الأخيريْن، ظهر فنّانون حاولوا إعادة الشعبيّة للبلوز في الأوساط الشبابيّة، عبر دمجه مع أجناس موسيقيّة أخرى مثل الروك والميتال، وغيرها. ومن هذه الأسماء، الفنّانة الاستثنائيّة بيث هارت (Beth Hart)، الّتي حرصت في مسيرتها على العودة إلى موسيقى السود الأمريكيّة، والانطلاق منها لبناء شخصيّتها الفنّية متعدّدة الروافد والأبعاد، مع مسحة معاصرة، تجلّت في المزج بين موسيقى الروك والبوب والبلوز، خاصّة خلال تجربة العمل المشترك مع عازف الغيتار القدير جو بوناماسّا (Joe Bonamassa).

باث هارت: في صوتها 100 عام من الموسيقى

عشقت الفنّانة بيث هارت، المولودة في عام 1972، الموسيقى منذ طفولتها. ففي سنّ الرابعة، بدأت بتعلّم العزف على البيانو، وكان مدخلها الأوّل إلى عالم الفنّ الرحب متمثًّلًا في الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة؛ ثمّ انجذبت إلى موسيقى السود الأمريكيّين، فعزفت وأدّت منذ نعومة أظفارها، أغاني لملهِمتها الأولى الفنّانة إيتا جايمس والفنّان أوتيس ريدينغ، كما انبهرت بموسيقى الروك والميتال في سنّ مبكّرة، وحفظت الكثير من المقطوعات الموسيقيّة لمجموعة Led Zeppelin.

 

عاشت طفولة قاسية، جعلتها مدمنة مخدّرات وهي لم تتجاوز الرابعة عشر من العمر. درست الفنّ في Los Angeles High School، إلّا أنّ شغفها وموهبتها العظيميْن، لم يشفعا لها مزاجيّتها وعدم انضباطها، فتمّ طردها من المعهد، ولكنّها لم تتخلَّ عن حلم طفولتها الأوّل: الموسيقى. فواصلت الغناء والعزف، وتطوير معارفها الموسيقيّة، عبر السماع والاطّلاع، إضافة إلى عملها مع فرق موسيقيّة في المطاعم والمقاهي. وسرعان ما اكتشفها المنتج دافيد وولف، الذي رأى فيها صوتًا عظيما، فأمضت عقدا مع شركة Atlantic Records  للإنتاج.

في عام 1996، صدر ألبومها الأوّل “Immortal”، الّذي حقّق شهرة واسعة في أشهر وجيزة. بعد ثلاث سنوات، أصدرت ألبومها الثاني Screaming For My Supper، الّذي رسّخ اسمها في الساحة الفنّية في الولايات المتّحدة؛ وبدأت بلفت انتباه عازفين كبار، مثل Jeff BecK وSlash و Toots Thielemans عازف الهارمونيكا وملحّن موسيقى الجاز القدير، الّذي صاحبته في أداء بعض مقطوعات الجاز.

 

 

بعد هذه الفترة، عاشت بيث فترة عصيبة من حياتها، توّجتها بشفائها من الإدمان على المخدّرات في عام 2004، وهو العام نفسه الّذي صدر فيه ألبومها الثالث Leave The Light On ، لتدعّم نجاحها العالمي الكبير بحفلات عديدة خارج الولايات المتّحدة الأمريكيّة وخارجها، وقد اختارت تسجيلات لبعض الأغاني الّتي أدّتها في هذه الحفلات الحيّة، لتقوم بتجميعها في ألبوم 37 Days، الصادر في عام 2007.

مرّت بعد هذه الفترة باكتئاب حادّ نتيجة الإفراط في تناول المشروبات الكحوليّة، ثمّ خضعت لعلاج نفسي عادت على إثره، في سنّ الأربعين، بألبوم هو الأكثر شهرة في مسيرتها الفنّية  Explain Don’t (2011)، الّذي تعاملت فيه مع عازف الغيتار اللامع، جو بوناماسا.

 

 

قام هذا الثنائي الفنّي الاستثنائي بإعادة توزيع أغاني شهيرة لإيتا جامس وأرتيتا فرانكلين، أهمّها I’d rather go blind وI take care of you. وقد عملا في هذا الألبوم على المزج بين موسيقى البلوز والـR&B والسول وبين ايقاعات البوب والروك. وقد مثّلت هذه التجربة الفنّية إحياءً لحقبة زمنيّة بأكملها، حيث اكتشف الجيل الجديد من المراهقين، إرث البلوز بنكهة معاصرة تتماشى مع أذواقهم الموسيقيّة.

يمكن اعتبار الفنّانة المجنونة والمزاجيّة والعبقريّة بيث هارت، أحد أهمّ الأصوات النسائيّة في العالم حاليًّا، صوتها خارق وقوّي، متلوّن ومخاتل، ومعارفها الموسيقيّة عظيمة، فهي فنّانة قادرة على غناء مختلف الأجناس الموسيقيّة الغربيّة، من الجاز والبلوز والسول والآر آن بي وصولًا إلى الفولك والميتال والروك والبوب.

هي ظاهرة، تتابعها مختلف الشرائح العمريّة في الغرب، والفئات الشبابيّة في العالم العربي والشرق عمومًا. امرأة في عقدها الرابع، مازال في جرابها الكثير كي تقدّمه، وهي الّتي اختصرت في صوتها قرنًا من الموسيقى!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.