اختيار المحررينثقافة

أنور براهم.. عن التفكير في الموسيقى‎

 

يُعتَبر الفنّان التونسي أنور براهم الآن، أحد أعلام موسيقى الجاز في العالم. هذا الفنّان الّذي أمضى حياته في التنقيب والبحث الموسيقي لينتج اتّجاهًا خاصّا، اصطلح على تسميته جمهور النقّاد بالجاز العربي.

موسيقاه متشعّبة المسالك، فيها جمع ذكيّ بين ثقافات متعدّدة، ولكنّها متأصّلة في الحضارة التونسيّة العريقة، ببعدها الإفريقي والعربي والمتوسّطي، ومنفتحة على شرق آسيا وشمال أوروبّا؛ مترجِمها الرئيس آلة العود، الّتي أكسبها أنور براهم بعدًا كونيًّا ومكانة عظيمة في الموسيقى العالميّة.

وُلد أنور براهم في 20 أكتوبر 1957، بالحلفاوين، أحد أحياء مدينة تونس العتيقة، أين بدأت -في سنّ العاشرة- رحلته مع آلة العود والألحان التونسيّة الأصيلة: موسيقى المالوف. وقد كان لوالده الّذي امتهن حرفة النقش والطباعة والعاشق للموسيقى دور كبير في ذلك، ثمّ واصل تعلّم الموسيقى في المعهد الوطني للموسيقى بتونس، تحت إشراف أبرز عازفي العود التونسيّين في القرن العشرين، الأستاذ علي السريتي. في سنّ الخامسة عشر، برز كعازف عود متمكّن، لتتمّ دعوته للعزف مع عديد الفرق المحترفة والأوركسترات المختلفة.

وبعد أن تلقّى تكوينا جيّدا وتعرّف على عديد المشارب الموسيقيّة المتنوّعة المتوسطيّة وأنواع الجاز، قام بإعادة الاعتبار للأشكال الموسيقيّة التونسيّة القديمة، متجاوزا في ذلك القواعد الأكاديميّة، وخارجا عن النمط السائد، لينتج نوعا موسيقيّا فريدا مضيئا، يتحدّى قوانين الزمن والفضاء.

في البداية، كان له تعاون مثمر في تونس مع فنّانين كثر، مثل لطفي بوشناق في أغنية “ريتك ما نعرف وين”، الّتي لم تكن مجرّد أغنية عابرة في مسيرة أحد كبار الأغنية التونسيّة، بل أثّرت فيها ووجّهتها إلى مناطق خصبة جديدة على مستوى الجملة اللحنيّة، وهذا يظهر جيّدًا في أغانٍ كثيرة، أبرزها “إنت شمسي”.

كان لأنور براهم تعامل مع الفنّانة نبيهة كراولي ضمن نفس المشروع الفنّي “نوّارة عاشقة”، ولعلّ أغانٍ مثل “متعدّية هازّة القلّة” و”تناديني ونناديك” لن تُمحى من ذاكرة الموسيقى التونسيّة، وهي أعمال فنّية أصيلة ضاربة في جذور الثقافة التونسيّة، وشهدت بداية انفتاح أنور براهم على الموسيقى المتوسّطيّة، تأسيسًا لمشروعه الفنّي الكبير.

في سنة 1981، استقرّ أنور براهم في باريس ليتعاون مع الموسيقار موريس بيجار، ولحّن العديد من المقطوعات الموسيقيّة للسينما التونسيّة والعالميّة، أبرزها أفلام “صفايح ذهب” للنوري بوزيد و”عصفور السطح” لفريد بوغدير و”صمت القصور” لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى الموسيقى التصويريّة لفيلم Mektup للمخرج التركي Ali Özgentürk، وفيلم Ce n’est qu’un début  للمخرجيْن Jean-Pierre Pozzi و Pierre Barougier، في مرحلة متقدّمة من عمره. في سنة 1987، عُيّن مديرا لفرقة مدينة تونس وافتتح مهرجان قرطاج الموسيقي في دورة 1988 بعرض يحمل عنوان “ليلة العصافير”.

في بداية التسعينات، التقى أنور براهم، بالمنتج الألماني مانفرد آيشر الّذي دعاه للالتحاق بشركة التسجيل الموسيقي ECM، الّتي سجّل معها سبعة عشر ألبوما، أهمّها ألبوم “موجة/Vague”، المتضمّن لسبعة عشر مقطوعة موسيقيّة. تعاون أنور براهم مع العديد من الموسيقيّين العالميّين الكبار، كعازف آلة الكلارينت جون سورمان في ألبوم “حدوث”، وعازف الساكسفون النرويجي يان غارباريك في ألبوم “سبيكة”، وعازف الأكورديون ريتشارد غاليانو، وعازف الكونترباص دايف هولاند في مقطوعات مثل “مزاد” أو “حلم رابعة”.

 

أنتج أيضا وعزف مقطوعات موسيقية فردية مثل “رواندا”، “الكلب على ركبتي الآلهة”، “ليل العيون”، حيث أثبت أنور براهم أنّه قادر على إحياء سحر الشرق من خلال تطعيم مقطوعاته بنوتات شرقيّة خالصة، مستخدمًا آلة العود لزرعها في حقل الجاز الشاسع.

إنّ هذا الموسيقي البارع الذي أبدع موسيقى متأصّلة في الثقافة الشرقية إلى حدّ عميق ومفعمة بروح المعاصرة في أفقها الكوني، قد عزف وسجّل مع أسماء كبيرة من عالم الجاز المعاصر أمثال يان غارباريك وجون سورمان وجان لويس ماتينيِرو وريتشارد غاليانو؛ منتجًا بذلك شيئًا فريدًا جنونيًّا أصبح بمثابة العلامة المسجّلة باسمه في دفتر الموسيقى العالميّة.

في سنة 2006، وبعد الحرب التي هزّت لبنان، تحوّل أنور براهم إلى موقع الحدث، ليصوّر أوّل شريط سينمائي وثائقي له كمخرج، بعنوان “كلمات ما بعد الحرب”، صوّر فيه أحوال لبنان بعد العداون الصهيوني، من خلال محاورات مع فنانين لبنانيّين.

وفي العقد الأخير، واصل براهم في بلورة مشروعه الفنّي ومزيد تأصيله، فأصدر ألبوم The Astounding Eyes of Rita في عام 2009؛ ومن ثمّ ألبوم Souvenance في عام 2014، وألبوم Blue Maqams في عام 2017، الّتي تعامل فيها مع عازف البيانو François Couturier  وعازف “الغيتار باس” Björn Meyer.

أنور براهم، مسيرة موسيقار عبقري، لا يمكن اختزالها في كلمات قليلة، موسيقار قدّم ألحان عظيمة للموسيقى التونسيّة والعربيّة والعالميّة. هو الفنّان الّذي تجاوز مرتبة العازف والملحّن، إلى مرتبة المفكّر والفيلسوف من ناحية اختيار اللحن والتوزيع. هو الّذي نعرفه من الجملة الموسيقيّة الأولى في المقطوعة لخلقه أسلوبًا فريدًا جدًّا، يمكن أن نستشفّه من مقطوعات عظيمة قدّمها في مسيرته الفنّية، مثل “Le parfum de gitane” و”Conte de l’incroyable amour”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.