مجتمع

ومضة إشهارية عن المساواة في الميراث: لماذا يوظّف الإعلام للتسويق لمبادرة ينقسم حولها التونسيون؟

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

فوجئ متابعو القناة الوطنية بومضة إشهارية تتمثّل في مشهد تمثيلي تجسّده الفنانة صالحة النصراوي ومحمد قريع وآخرون، يبيّن مدى الغبن الذي تشعر به سيدة يود أشقاؤها إخراجها من بيت الأسرة. وتواجه أمام المحامي بقسوة الشقيق الأكبر، وصمت الثاني المتواطىء، وتخرج باكية لتجد شقيقها الثالث عند الباب يخبرها بما مفاده أنه سيساعدها. وتنتهي الومضة بعبارة “الظلم لا نورثو قد قد”، ثم يأتي إمضاء لجنة الحريات والمساواة.

 

الومضة.. المحتوى والتفاعل

لجنة الحريات التي يفترض أنها أنهت مهمتها بمجرد إتمامها للتقرير المنوط بعهدتها والذي قدمته إلى رئاسة الجمهورية في انتظار أن يعرض على مجلس النواب للتصويت عليه  لم تكتف بمهمتها الأصلية، وإنما ارتأت أن تقوم بدور دعائي مفضوح للتأثير على الناس وتوجيههم بومضة إشهارية أثارت جدلا كبيرا، في قضية انقسم حولها التونسيون منذ أن أعلن رئيس الجمهورية عن مبادرته يوم 13 أوت/أغسطس عام 2017.

وإذا كان فحوى الومضة لافتا ومثيرا للدهشة، فإن المفارقة الكبرى أنها قدّمت عبر المرفق العمومي الذي يفترض فيه الحياد والنأي عن المسائل الشائكة التي تفرّق التونسيين ولا تجمعهم. وهو في المقام الأول معني بالتعبير عن مشاغل المواطنين الحارقة وليس المسائل الجالبة للتجاذب والصراع الفكري مثل قضية المساواة في الميراث.

أسباب الاعتراض

الومضة التي جاءت في محاولة لتسويق مبادرة تشريعية لم تحظ حتى الآن بقبول شعبي تندرج بوضوح في إطار توظيف الإعلام -وتحديدا العمومي- للاصطفاف وراء توجهات فكرية بعينها على حساب عموم التونسيين ومشاغلهم الحقيقية.

هذا عن الشكل أما بالنسبة إلى المضمون، فقد أدان عدد كبير من المشاهدين ما جاء في الومضة بدواعي دينية وقانونية واجتماعية أيضا. ففي السياق الديني، اعتبر البعض الحديث عن الظلم بخصوص مسألة تقسيم الميراث بالطريقة الشرعية فيه تطاول على المقدس، نظرا لكون التشريع الإسلامي قد أحكم تقسيم المواريث بشكل عادل ولحكمة إلهية تم تفصيل القول فيها في نصوص قطعية معلومة للجميع، وأولها النص الصريح الذي يطرح كيفية تقسيم الميراث بين الأشقاء ذكورا وإناثا.

من زاوية نظر قانونية، رأى البعض أن تقديم ومضة إشهارية قبيل عرض مشروع قانون على مجلس النواب في نفس المضمون يعتبر تجاوزا لا يمكن القبول به، بهدف الضغط على المؤسسة التشريعية وتأليب الرأي العام عليها، وهي التي من المفترض أن تصادق على القوانين بعيدا عن كل أشكال الضغط. ومن زاوية نظر اجتماعية، فإن تصوير العلاقات الأسرية على تلك الشاكلة وحصرها في المسائل المادية والمواريث في تغييب تام لقيمة صلة الرحم وروابط الدم بين الأشقاء، من شأنه أن يقدّم رسائل سلبية إلى المجتمع التونسي الذي يعيش بطبعه تفككا أسريا حادا.

مبادرة المساواة في الميراث

وإذا ما أردنا تأصيل هذا الطرح، فإننا نعود إلى بداية هذا الأمر والذي انطلق من مبادرة أعلن عنها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة التونسية يوم 13 أوت 2017، وقال وقتها إن تونس تتجه نحو المساواة التامة بين المرأة والرجل. ومن أهم ما جاء في المبادرة طرح موضوع المساواة في الميراث والسماح للتونسية بالزواج من غير المسلم، وهو أمر غير مسبوق لم يتجرأ بورقيبة على الخوض فيه والاقتراب منه وملامسته باعتبار قطعية النصوص الدينية وثبوتيتها في هذا الصدد.

وإذا كان في منع تعدد الزوجات مجال رحب للاجتهاد، وهو ما قام به علماء الزيتونة عام 1956، ووجدوا المداخل لولوجه والتعاطي معه، ليتمّ التركيز وقتها على اشتراط مسألة العدل بين الزوجات وهو أمر صعب، لمنعه قانونيا فإن زواج المسلمة بغير المسلم وأيضا المساواة في الميراث مسألة مغايرة.

 

 

الانقسام حول المبادرة

أثارت مبادرة قايد السبسي سجالا لم ينته حتى اللحظة. وانقسم حولها التونسيون بنخبهم وساستهم وعموم الشعب ما بين رافض وبشكل قطعي وما بين ممتعض وما بين مرحب.

يستند الشق الأول من الذين رفضوا المبادرة من أساسها إلى الحجة الدينية. ويعتقدون أنّ الطرح مرفوض ولا مجال لمناقشته باعتبار أن ديانة عموم التونسيين هي الإسلام، وبناء عليه فإن الاحتكام يكون إلى النص الديني الثابت والقطعي في مسألة الميراث، ولا داعي لفتح أبواب مفتوحة من الأساس. وأكّد أصحاب هذا الموقف أنّ تيارا فكريا بعينه يقف خلف هذه المبادرة من الداعين إلى تقويض مقومات الهوية العربية الإسلامية في تونس. ومضوا إلى القول بأن تأثيرهم كبير على الرئيس الذي أطلق هذه المبادرة بإيعاز منهم.

الممتعضون وهم تقريبا يشكّلون الغالبية العظمى، وفق بعض الدراسات التي أجريت في هذا الصدد، يرون أن لا مبرر لطرح مثل هذه المبادرات التي تعدّ من قبيل الترف الفكري في مجتمع يعيش الكثير من الرهانات المهمة والخطيرة ويسعى إلى تأمين مساره الديمقراطي والوصول بالبلاد إلى بر الأمان.

وتناول رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذا الأمر بالكثير من التندر والسخرية قائلين إن عموم الشعب التونسي غير مشغول بأمر الميراث فليس لديهم ما يرثون وما يورّثون. وأكد أصحاب هذا الرأي أنّ هذه المبادرة تقف خلفها دواعي سياسية. فهي تسعى إلى توجيه انتباه الرأي العام عن القضايا الحقيقية والمشاكل الحارقة. وفسروا أيضا هذا الأمر برغبة تيار سياسي معين في توظيف قضية المرأة من أجل ضمان أصوات أكبر قدر من النساء. وهي الورقة التي لعبها الكثير من الفاعلين السياسيين تاريخيا في تونس.

التيار الأخير، وهو المرحب بهذه المبادرة، يعتقد أن مدنية الدولة تقتضي التأسيس للحريات كافة ولمساواة كاملة غير منقوصة بين جميع التونسيين ذكورا وإناثا. وقد انبرت بعض المنابر الإعلامية للترويج لهذه المبادرة دون الالتفات للجهود البحثية التي قدّمت في الميدان بخصوص التفاعل المحتشم لفئات كثيرة من الشعب التونسي.

عود على بدء

وبالعودة للومضة التي انطلقنا في تحليلها، على الإعلام -العمومي بوجه الخصوص- أن ينأى بنفسه عن ولوج القضايا الخلافية والاصطفاف خلف هذا التيار الفكري أو ذاك باعتبار أن هذا ليس دوره، كما أنّ توجيه العام بشكل سافر يعتبر تجاوزا للمهمة المنوطة بعهدته، وهي إخبار الناس وتثقيفهم والترفيه عنهم بشكل جاد وعميق ورصين وبعيدا عن إثارة النعرات والانقسامات؛ خاصة وتونس تقف على أعتاب استحقاق انتخابي مهمّ يكون من الحتمي على الإعلام العمومي أن يراعي فيه أكبر قدر من الموضوعية. لجنة الحريات عليها أن تدرك فعليا أنّ مهمّتها انتهت ولا داعي لتلاحق التونسيّين عبر المنابر الإعلامية، لتؤثر فيهم وتوجّههم، لاسيما وأن الأمر اليوم موكول إلى المؤسسة التشريعية المنتخبة التي ستحدد موقفها فيه عبر التصويت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ومضة إشهارية عن المساواة في الميراث: لماذا يوظّف الإعلام للتسويق لمبادرة ينقسم حولها التونسيون؟”

  1. التفاوت في الحقوق، بما فيها حقوق الميراث، ظلم واضح بمقاييس هذا العصر. والادعاء بأن في هذا الموقف تطاولا على المقدس هو مغالطة. لأن الإسلام لم يأت بأي شكل من أشكال التفاوت، من رق وسبي وملك يمين وتمتع الرجل بحقوق تفوق حقوق المرأة.

    لقد نشأت جميع أشكال التفاوت تلك، بدون استثناء، بما فيها قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين قبل الإسلام. ولم يكن إنهاء ممارسات الرق أو السبي أو ملك اليمين أو التخلي عن العقوبات الجسدية تطاولا على المقدس، فلماذا تكون المساواة في الميراث تطاولا؟

    من طبيعة القوى المحافظة في العالم الإسلامي أن تقف عرضة أمام كل تجديد، مهما صغُر أو كبر، من شرب القهوة إلى استعمال الطابعة أو غيرها من الأجهزة الحديثة، إلى مشاركة المرأة في العمل أو الحياة السياسية مرورا بحق الفتاة في الدراسة، وفي كل مرة تنهار تلك المعارضة وترضخ لمنطق التاريخ ولاحتياجات المجتمع، فتفتح معركة أخرى في تصديها للتجديد ودفاعها عن الجمود، لتخسرها طبعا لأنها لا تتعلم من دروس التاريخ ومن التجارب السابقة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.