اختيار المحررينثقافة

الحوار والتاسعة.. سباق الرداءة

بقلم: خديجة بن صالح

 

دكاكين فضائية تستهتر بالقيم والرموز وتروج للإبتذال والسطحية: ذاك الإعلام الرثّ الذي مضى أبعد من الحضيض

 

عانى  التونسيون  غبنا كبيرا امتد لعقود من الزمن جراء غياب حرية الفكر والتعبير، والتعتيم  الإعلامي. وظلوا على امتداد سنوات يبحثون عن أخبار بلدهم في وسائل الإعلام الغربية وحتى المشرقية علهم يطفئون الظمأ الحارق إلى المعلومة الدقيقة والمعطيات الصادقة عما يحدث في وطنهم.

 

وجاءت الثورة التونسية لتمنحهم الحرية بسخاء غير مسبوق. حرية استفاد منها الجميع دون استثناء، وتمّ توظيفها  في المنابر المختلفة.. لكن يبدو أن تحدّي الحرية أصعب من تحدي الاستبداد بالنسبة إلى بعض الإعلاميين التونسيين..

الثورة وتحرّر الإعلام

مُنح الإعلام التونسي حريّة بلا سقف، وتغيّر المشهد في تونس بشكل لافت وغير مسبوق. ومن مظاهر ذلك، تناسل وسائل الإعلام بأعداد كبيرة سواء الإذاعات أو التلفزات الخاصة أو المواقع الإلكترونية. هي ظاهرة صحية في الواقع، لكن بقدر ما اجتهدت بعض المنابر الإعلامية في تقديم مضمون حرفي ورصين يخدم المتلقي التونسي، ويقدّم له مادة إخبارية وثقافية وترفيهية جيدة -باعتبار أنّ هذه هي الأدوار الأصيلة للإعلام- بقدر ما حادت بعض وسائل الإعلام عن هذا الدور المركزي. وانبرت تقدّم مادة هزيلة وسطحية، ركضا وراء نسب المشاهدة العالية، بغية استقطاب المستشهرين وجني الربح المادي.

 

Résultat de recherche d'images pour "‫الحوار التونسي برنامج الأقنعة‬‎"

 

وقد بدا جليا أن صنّاع الظاهرة الإعلامية قد انطلقوا في تقديم مضامين  منفلتة من كل عقال، لا تراعي القيم الأخلاقية والتربوية، ولا تحترم قوانين، ولا أعراف. فهي تجدّف خارج السرب مستفيدة من غياب هياكل إعلامية تعديلية فاعلة ومؤثرة.

وإذا كان هناك غض للطرف في السنوات الأولى للثروة بدعوى أننا غير متعودين على الحرية، وأننا جميعا نتعلم في مختلف المواقع ونحاول أن نواجه تحدي الحرية بعد أن عشنا عقودا من الاستبداد، فإنه لم يعد مقبولا اليوم أن تقصفنا الفضائيات الخاصة برثاثتها المتمثلة في برامج توضع تحت يافطة الترفيه، ولكنها من قبيل ما يعرف بـ”إعلام المجاري”، أو ما كان يعرف سابقا بالصحافة الصفراء التي لا همّ لها سوى الخوض في أعراض الناس وهتك خصوصياتهم والتطاول على الرموز الثقافية والشخصيات الاعتبارية.

الحوار والتاسعة.. سباق الرداءة

في هذا السياق، يبدو نموذج قناتي الحوار التونسي والتاسعة خير مثال على الرداءة التي وصلت أبعد من الحضيض. ولمزيد الدقة والتدليل على هذه الظاهرة، يمكن أن نشير إلى مجموعة من البرامج، سواء تلك التي تدعي أنها اجتماعية ونعني “عندي ما نقلك”، و”مع علاء” للأخوين الشابي أو برامج من قبيل “أمور جدية” و”سقوط الأقنعة” و”اضحك معنا” و”لاباس”.

البرامج الاجتماعية

تخصّص برنامجا الأخوين الشابي وهما من قبيل البرامج الاجتماعية، في نشر غسيل فئة اجتماعية بعينها. وفي هذين المنبرين، تهتك خصوصيات العائلات، وتتجاوز الحميمية المفروضة في بعض العلاقات. فيتناول الحديث بالتفصيل الخلافات بين الأزواج، خاصة تلك المتعلقة بالشرف وبالعذرية وبالخيانة وبغياب المعاشرة الزوجية، وكلها مسائل يفترض أن تطرح في سياقات طبية وقضائية وعائلية قطعا، وليس مكانها الفضاء العام، وهو ما يشير إليه عالم الاجتماع الشهير جيورغن هابرماس بمقومات معلومة. فلا ينبغي أن يكون حديث غرف النوم مطروحا على منابر الفضائيات، وبأشكال طرح تقوم على الإثارة وعلى إحراج الضيف واستفزارزه ليخرج أسوأ ما فيه.

 

Résultat de recherche d'images pour "‫علاء الشابي 2019‬‎"

 

ولعل الحلقة التي قدمت منذ أشهر في برنامج “عندي ما نقلك” وأثارت جدلا كبيرا، خير مثال. وجاء فيها نقاش حاد بين زوج وزوجة، شكك الأول في عذرية قرينته وفي وثيقة الطبيب الشرعي التي استظهرت بها من مستشفى عمومي. وهنا لا نملك سوى الإقرار بأن المشهد الفضائي قد وصل مرحلة ما بعد الحضيض، مرحلة انتهكت فيها كل القوانين والأعراف، وبات فيها شرف النساء حديث منابر التفاهة. وفي هذا تعارض مع القانون الذي يجرم العنف الرمزي والمادي واللفظي ضد المرأة، ولا ندري إلى متى تصمت بعض الهياكل  التي يفترض أن هذا القطاع من مشمولاتها.

البرامج الترفيهية

هذا عن نماذج ما هو “اجتماعي”، أمّا ما ينسب إلى الترفيه، فحدّث ولا حرج. فالبرامج أشبه بالسوق ألفاظا وصخبا وهرجا، دون مضمون أو فكر أو جدية. يتهافت الجميع، ويتسابقون من أجل تقديم كل ما هو تافه ومفرغ من المعنى. يقدّمون صورة نمطية للمرأة من خلال نساء غادرن لتوهن طبيب التجميل، ويتباهيْن بعمليات تكبير الشفاه والخدود دون أن ينشغلن ولو قليلا بتكبير قدر الذكاء والمعرفة في رؤوسهن الخاوية.

وأصبح الحديث عن القيافة والتجميل وصالونات الأزياء هو الأساس، دون الالتفات للإضافة المعرفية والتثقيفية والترفيهية التي تقدَّم لجمهور لا يجد بدائل عن هذه البرامج، فيستهلكها كما يتناول جائع أكلة سريعة يعرف سلفا أنها ستصيبه بعسر في الهضم أو الغثيان.

 

Résultat de recherche d'images pour "‫التاسعة برنامج اضحك معنا‬‎"

 

وتهدف هذه البرامج إلى تدمير النماذج الجيدة وتقويض مفاهيم الكفاح والعمق والرصانة. تجتهد لتأسيس مفاهيم جديدة للنجاح السريع، والركض خلف بريق شهرة سريع ومال يأتي بطرق ملتوية. ولذلك فنجوم هذه البرامج من فناني الصف الرابع الذين يمتلكون حمولة كبرى من السباب والشتائم والتنابز بالألقاب، ويجرؤون على تقديم اعترافات مقرفة بشأن تاريخهم. فهذه تعترف بأنها تعرّضت للاغتصاب في طفولتها وتمعن في وصف التفاصيل، وأخرى تتحدّث عن علاقات عشق سابقة، والأخرى تروى قصص التحرش. ليس ذلك من باب العظة وأخذ العبرة والدرس، وإنما من قبيل بث رسائل مسمومة إلى المجتمع تقوّض قيم الحياء والاحتشام والوقار لدى المرأة.

كوميديا أم ابتذال؟

وما تغفله تصريحات النجوم الورقية يبرع في تقديمه شباب ينتسبون إلى الكوميديا، يقدّمون ما يعرف بـ”الستانداب” الذي يقوم على مواقف ساخرة، ولكنها تلك السخرية التي تعبث بكل شيء، بدءا بالضحك من الرموز سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو شخصيات اعتبارية أو قيم ثقافية وعلاقات أسرية. وتقدم مضامين تغذّي الجهوية البغيضة، وتقوم على التنابز بالألقاب، وتحقّر من شأن فئات اجتماعية أو جهة ما أو لهجة ما. وتقوم على ترذيل النساء في الكثير من الأحيان ونعتهن بأبشع النعوت. ويكون نصيب أهل الريف من التطاول أكبر وبشكل دائم، مع حرص غريب على وسمهم بالغباء في أغلب الأحيان.

 

 

ليس هذا فحسب، فبعض مضامين المواقف الكوميدية تدخل تحت طائلة القانون على غرار التحريض على ضرب الأطفال وعلى العنف ضد النساء والعنصرية وغيرها. ويمرّر كلّ هذا تحت يافطة حرية الإعلام، في حين أنه سلوك يتناقض مع أدوار الإعلام والمهام الموكولة إليه بما فيها الترفيه.

 

 

الكوميديا كما يعرّفها النقّاد وأصحاب الفتوحات في هذا المجال، هي كوميديا الموقف التي تفكك المفارقات وترصد التناقضات دون التهجم على الأفراد أو الجماعات أو على القيم الحضارية والثقافية الجماعية لفئة ما أو مجتمع ما. في هذه البرامج، يحل التهريج محل الكوميديا الهادفة، وللإمعان في الإضحاك غالبا ما يستدعى السّجل الجنسي بكل سردياته المعروفة، وتكون المرأة مرة أخرى هي الضحية. فغالبا ما توسم بالعانس الباحثة عن رجل مهما كلفها الأمر، وتوصف بالقبيحة التي لم يلتفت لها أحد أو المطلقة المكبوتة التي تسعى إلى إشباع رغباتها وغيرها من النماذج. ويحضر السجل الجنسي ليس فقط في المواقف التمثيلية، بل في سياق الحوارات التي تقدمها فئة بعينها من المذيعين الذي يحشرون ألفاظا حمالة دلالات جنسية يعرفها الشارع التونسي جيدا، ويتلاعبون بها في جملهم الملغّمة.

مدرسة التقديم القديمة

الهاجس الكبير لدى هؤلاء هو البحث عن تحقيق نسب مشاهدة عالية، وهذا ما يتم لهم بالفعل. ويدّعون أنّ المشاهد التونسي يتّسم بالنفاق، فهو يقبِل على أعمالهم، وينقدها في الوقت نفسه، وفي هذا مجانبة للصواب. فالمتلقي الذي يبحث عن مادة ترفيهية أو تثقيفية لا يجدها، ولا يجد أمامه سوى هذا النماذج التي باتت اليوم بلا منافس، في سياق غابت فيه المنوعات الفنية التي كانت تقدم نجوما على قدر من الموهبة والتميز وتقدم الألعاب الثقافية، على غرار برامج المرحوم نجيب الخطاب الذي نجح في استقطاب كل أفراد العائلة في “لو سمحتم” و”من غير مواعيد” وغيرها.

 

Image associée

 

مدرسة الخطاب وصالح جغام والبشير رجب، وهم من أعلام التقديم الإذاعي والتلفزي الذين أرسوا دعائم تجربة التقديم المباشر رغم فقر الإمكانيات، نجحت في الالتصاق بمشاغل الناس واهتماماتهم. فقد كان المرحوم صالح جغام على سبيل المثال من أول الذين قدموا للمستمع التونسي تجارب فكرية وثقافية رائدة في العالم العربي كالطيب صالح ومحمد الفيتوري. وقدم الحوار الإذاعي الجاد والعميق بوسائله الخاصة في برنامج “حقيبة المفاجآت” على سبيل المثال. كما برع البشير رجب في تقديم مادة موجهة إلى الأباء المسنين وقام بالترفيه عنهم والتعبير عن مشاغلهم لمدة طويلة.

توقفوا عن جعل الحمقى مشاهير

اليوم لا يجد المتلقي التونسي ضالته في ما يبث في هذه الفضائيات الخاصة التي طغى عليها الابتذال والاستسهال وتهدف إلى صناعة مشاهير بلا خلفية ولا منجز. وهذا ما حدا بالبعض إلى إطلاق هاشتاغ أو وسم #توقفوا_عن_جعل_الحمقى_مشاهير في إشارة إلى العبارة الإنجليزية.

 

Image may contain: 1 person, text

 

وقد تبدو هذه الظاهرة إعلامية وثقافية صرفة، إلا أن آثارها بالغة الخطورة. فهي تهدف إلى نشر قيم بديلة تؤسس لنماذج اجتماعية بلا منجز ولا تاريخ ولا قيم. وتقوم على تبخيس مفاهيم ومفردات العمل والعلم والمثابرة لصالح الشهرة السريعة والربح السريع والاستهتار بالرموز الثقافية الجامعة وترذيل العلاقات العائلية سواء بين الآباء وأبنائهم أو بين الأزواج. وهذا من شأنه الـتأثير بشكل أكبر على فئة المراهقين واليافعين الذين يستهلكون بدرجة كبرى هذه المضامين في ظل “استقالة” الأولياء من أدوارهم الرقابية.

تدمير ممنهج للشخصية القاعدية لأجيال المستقبل التي تتربى على التفاهة والابتذال واللغة السوقية الخالية من الاحترام والذوق. وهذا ما بتنا نلمسه في الشارع التونسي، ولدى الأجيال الجديدة مع انحسار لافت للسلوك الحضاري والتأدب في المخاطبة والتعامل والسلوك يتجلى في الفضاء العام بمختلف تمظهراته. فالرثاثة التي دشّنها الإعلام الفضائي بنموذجيه التاسعة والحوار التونسي بدأ يظهر بشكل واضح في المعيش اليومي للكثير من التونسيين الذين غابت عنهم البدائل. يبدو أنّ تحدي الحرية كان أصعب بكثير من تحدي الاستبداد في مجال الإعلام التونسي، والحصيلة كانت فشلا ذريعا.

الوسوم

رأيان على “الحوار والتاسعة.. سباق الرداءة”

  1. مااروع وماافضح ماقرات نعم سيدتي هو قلب الاشياء والموازين راس على عقب باسم الحرية والحداثة ..الحرية التي تتمناها شعوب ودول …سيدتي إنه المخطط المدمر لنواة الأسرة فالعائلة الكبيرة فمنها المجتمع ..هكذا حتى تسقط كل القيم والمبادئ الأساسية لقوام المجتمع حيث تؤثر على الدولة بصفة مباشرة وغير مباشرة …
    الاعلام هو المحور الهام التي تراهن عليه المنظمات العميقة وتعتبره المعول الهام لتدمير الأمة .. شكرا على ثورة قلمك وروحك الأنيقة التي أراه متألمة لهذا ..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.