اختيار المحررينثقافة

ناريمان: آخر ملكات مصر

عاشت لعنة عرش لم تنعم به مطوّلا

This post has already been read 63 times!

 

 

أعاد زفاف فوزية لطيفة أصغر  أميرات مصر بجنييف إلى الأذهان صور الحقبة الملكية في مصر ورموزها. فهي ابنة أحمد فؤاد الذي سُمّي ملكا على مصر وهو رضيع، وكان آخر ملوك العائلة العلوية. وقد شغل زفاف هذه الأميرة على المهندس الفرنسي سيليفيان هوندو الذي يعمل بإمارة موناكو ، الصحافة العالمية التي أمعنت في التوقف عند تفاصيل الحفل البسيط والراقي الذي أقيم في منزال والد العروس. كان التأكيد على ديانة العريس -وهي الإسلام- ملفتا. وتم أيضا الإشارة إلى بعض الحضور من أحفاد وحفيدات شخصيات مهمة في تاريخ العائلة العلوية التي كانت تحكم في مصر.

 

أعاد جمال العروس وأناقتها صورة جدتها الملكة ناريمان إلى الأذهان. وهي التي كانت آخر ملكة ترتدي التاج في مصر قبل سقوط الملكية. وإذا كان زفاف فوزية بسيطا فإن الاحتفال الذي أقيم عند ارتباط الملك فاروق بالملكة ناريمان، كان حدثا استثنائيا. وهو زفاف ملكي أسطوري بكل المقاييس. وقبل الخوض في تفاصيل هذا الزفاف، ماذا عن العروس ؟ ومن أين جاءت هذه الحسناء التي خطفت قلب الملك؟

حكاية البنت الوحيدة المدللة التي أسرت الملك

هي ناريمان حسين فهمي صادق، ولدت يوم 31 أكتوبر عام 1933 بالقاهرة. ولم تكن من السلالة الملكية رغم أنها تنتمي إلى عائلة من الأعيان. وكانت ابنة والديها الوحيدة، وهو ما جعلها تنعم بطفولة سعيدة كطفلة مدللة، ولكنه ذاك الدلال المقترن بالخوف عليها من أبسط شيء حتى أنها حرمت من التعلم في مدارس اللغات نظرا لبعدها عن سكن والديها. فاضطرت للدراسة في مدرسة عادية ملاصقة لمنزل والديها، ولم تكمل تعليمها، وتوقفت عند المرحلة الثانوية. وقد بدا واضحا أن هذه الفتاة الجميلة تمتاز بنعومة ورقة وهدوء جعل الخطّاب يتهافتون على طلب يدها رغم صغر سنها.

 

ناريمان مع والديها

 

وكما يحدث في القصص الرومانسية، جاء فارس الأحلام الذي وافقت الأسرة عليه وكذلك المعنية بالأمر وهو محام معروف. وكما يحدث في الأساطير، أخذت هذه القصة منعرجا آخر. حدث ذلك عندما كانت ناريمان بصدد اقتناء خاتم الزفاف من أحد أشهر محلات الذهب في القاهرة، بعد أن أعدت العدة لحفل عرسها وتم تحديد موعد اليوم الموعود. فقد وقعت عينا الملك فاروق على هذه الفتاة، فأسرت قلبه وقرر أن يحول مسار حياتها، وهو الذي كان قد تزوج الملكة فريدة  عام 1938، وأنجب منها بناته الثلاث فريال وفادية وفوزية وتم الطلاق بينهما عام 1948. وكان أتباعه بعد الطلاق يعرضون عليه صور فتيات من العائلات الأرستقراطية لمحاولة إقناعه بالزواج مجددا.

 

Résultat de recherche d'images pour "‫الملكة ناريمان‬‎"

 

كانت شروط فاروق كثيرة. فهو يريد فتاة مصرية صميمة لا جذور أخرى لها من بعيد أو قريب، ويريدها وحيدة والديها. وتكون من الأعيان دون أن تكون من عائلة طبقة الباشوات. وكان يريد أن تنجب له ولي العهد الذي كان ينتظره بفارغ الصبر. ولعل لقاء الصدفة الذي جمع بين الملك الباحث عن عروس والفتاة التي كانت برفقة خطيبها على أبواب الزواج، بمثابة الحدث الذي غيّر إلى الأبد حياتها. فقد وجدت نفسها مرشحة للزواج من الملك الذي اتصل بأسرتها، ورأى فيها الزوجة التي يحلم بالارتباط بها، ولأن الملك لا يرفض له طلب فقد كان له ما أراد.

 

 

راودت مخاوف كثيرة والد الفتاة الذي خشي عليها من نزوات الملك لاسيما وأنها كانت مرتبطة بغيره، لكن الخطيب تفهّم صعوبة الموقف، بعد أن سمع حكاية طلب فاروق وأنهى علاقته بها. ورغم تفكير والد ناريمان في إمكانية الهرب من البلد خوفا من بطش الملك، لكنه عدل عن ذلك وانتهى به الأمر راضخا للأمر الواقع قبل أن يرحل عن الدنيا إثر سكتة قلبية ألمّت به. ورغم كل الظروف التي حفّت بتعارف الملك وناريمان إلا أنها لم تستطع أن تخفي سعادتها كأي فتاة كانت على بعد خطوات من التتويج ملكة لمصر والسودان، وهو أمر لم تكن لتحلم به.

 

ولتأهيل ناريمان للدور الذي من المنتظر أن تلعبه، تولى الملك إرسالها برفقة عمّها إلى إيطاليا لتتعلم أصول البروتوكول والإيتيكيت الملكي. وعادت بعد ستة أشهر إلى مصر، لتلج مرحلة جديدة من حياتها، بعد أن أعلن الملك خبر خطبتها في عيد ميلاده، وذلك يوم 11 فبراير  عام 1951. وكان احتفالا شمل كل ربوع مصر.

 

زفاف اسطوري وأشهر من العسل المصفّى

وبعد أشهر تم الزفاف الملكي وذلك يوم 6 مايو عام 1951، وكان أسطوريا كقصص ألف ليلة وليلة. احتفلت مملكة مصر والسودان بزفاف الملك وازدانت الشوارع فرحة بالحدث السعيد. وسخّرت كل أجهزة الدولة لهذا الغرض وبثت الأغاني في كل مكان. وقد ساعدت الأميرة فوزية شقيقة الملك العروس ناريمان على إتمام تفاصيل زفافها، لتكون في أبهى إطلالة في ليلة العمر خاصة ومصر بأكملها تنتظر إطلالتها.

 

الملكة ناريمان في زفافها

 

ورفلت الملكة التي توجها فاروق على عرش قلبه في فستان ناصع البياض قد من الساتان وطرّز بالماس، كما ارتدت تاجا من الماس أيضا. وامتطت سيارة رولز رويس حمراء وعبرت الشوارع التي كانت في أبهى صورها بعد أن زينت بأقواس نصر، قبل أن تلج قصر عابدين الشهير، وترافق الملك إلى قاعة المرايا ثم ولجت غرفة الملك المزخرفة و وتناولت من يد الملك قطعة من المرطبات على طبق من ذهب وكانت كعكة الزفاف متكونة من سبعة أدوار.

 

 

وكان شهر العسل أيضا ملكيا أيضا حيث سافرا العروسان في رحلة إلى أوروبا على متن اليخت الملكي. ودامت الرحلة ثلاثة أشهر من العسل المصفى. وفي رحلة شهر العسل، ظهر على الملكة ناريمان مؤشرات الحمل وكان هذا كافيا ليجعل الملك يحلق عاليا من الفرح وأن يوفّر لها كل سبل الراحة أثناء عودتها من رحلة العسل التي كانت الأولى والأخيرة في حياتها.

 

الملك فاروق و الملكه ناريمان خلال شهر العسل -ايطاليا -1951 مع عم الملكة ناريمان مصطفى صادق

 

 

 

 

ولادة ولي العهد.. الابن الحلم

وكان الحدث السعيد الذي هز أرجاء مصر المحروسة مع ولادة ولي العهد أحمد فؤاد يوم 16 يناير عام 1952  وذلك قبل موعده العادي بشهر من الزمن، وكأنه كان مستعجلا لرؤية هذه الدنيا والإقبال عليها وهي التي كانت تعده بالملك والجاه والثروة، وكأنه كان يدرك لهفة والده على هذه اللحظة التاريخية.

 

 

 

وكانت ولادة الأمير أحمد فؤاد إيذانا ببداية جديدة في حياة الملك الذي طال انتظاره لرؤية ابن يعده لخلافته على عرش مصر. أحدثت ولادة الأمير تغييرا كبيرا على والده، وبدت عليه ملامح استقرار نفسي لم تعرف عنه من قبل، وكان يقضي مجمل وقته بجوار ولي العهد يلاعبه ويناغيه، وسعادته لا توصف بعد أن تحقق حلمه بأن يرث عرشه ابن من صلبه وليس أي أحد آخر من الأسرة العلوية.

 

 

وجرت الرياح بما لا تشتهي سفن الملك فاروق الذي كان يعتقد أنه وجد المرسى الآمن أخيرا بزواجه من ناريمان وإنجابه لولي العهد. فقد عرفت هذه الفترة توترات اجتماعية وسياسية كبرى، وبدأت الأحداث تتسارع بشكل كبير لاسيما بعد حريق القاهرة.

 

Image associée

 

انهيار العرش والمنفى المر يضع نقطة النهاية للزواج الملكي

وحدث الزلزال الكبير الذي لم يكن ليدور بخلد أحد عندما تحرك الجيش المصري يوم 23 يوليو عام 1952 واستولى على السلطة في مصر. وأنهى حكم الملك فاروق الذي أجبر على التخلي عن السلطة والتنازل عنها لابنه الرضيع أحمد فؤاد الذي بات أصغر ملك يتولى عرشا يترنح. وانتهى حلم الملكة ناريمان بعد سنة وبضعة أشهر بشكل سريع كما بدأ بشكل أسرع. وأجبر فاروق وأسرته على مغادرة مصر وسلموا للمنافي. فقد كان مرفوقا في رحلته الأخيرة بناريمان وابنها الرضيع ووالدتها وكذلك بناته الثلاث من الملك فريدة.

كانت الصدمة كبيرة لناريمان التي لم تصدق ما حدث. وفي إيطاليا، حاول فاروق أن يتصرف بشكل ملكي في إقامته وجولاته لكن العواصف هزت أركان العلاقة بينه وبين الملكة الشابة التي وجدت نفسها في المنفى ولم تستسغ ما حدث. ورغم أنه عادة  ما تتوحد القلوب في الأزمات، وتتوثق أواصر المحبة في الظروف الصعبة إلا أن ما حدث مع ناريمان وفاروق كان العكس تماما.

 

الملكة ناريمان مع نجلها أحمد النقيب

 

اندلعت الخلافات الحادة بينهما بعد ثلاثة أشهر من رحلة المنفى. وحدث الانفصال، فلم تتحمل الملكة الشابة الغربة القاسية واستحالت الحياة رفقة فاروق الذي خيّرها بين البقاء برفقة ولدها أحمد فؤاد أو العودة من دونه إلى مصر. واضطرت للاختيار المرّ فتركت فلذة كبدها الرضيع وعادت رفقة والدتها ولم تتمكن من رؤية ابنها إلا بعد سنتين.

ومنحت جواز سفر مصري وسمح لها بأن تحصل على بعض متعلقاتها التي تركتها عندما غادرت. وقامت في الأثناء بدعوى لطلب الطلاق وكان لها ما أرادت، عام 1954. مع الإشارة أن مجلس قيادة الثورة تولى إقصاء الملك أحمد فؤاد من السلطة عام 1953، وبذلك انتهى حكم الأسرة العلوية الذي امتد لمدة 148 عاما.

البحث عن  صفاء السعادة بعيدا عن بريق القصور 

بعد بضعة أشهر من الطلاق حدث اللقاء بين الملكة المنكسرة بطبيب شاب عاد لتوه من لندن فحدث الانسجام بينهما ولم تتردد ناريمان ولا والدتها لحظة لقبول طلبه الزواج منها. وأدركت وهي التي لم تتجاوز يومها سن 23 أن السعادة وهدوء النفس لا يوجد في القصور الفخمة وبريقها الزائف بقدر ما يوجد في دفء البيوت البسيطة وقلوب أهلها المفتوحة.

وطوت الملكة السابقة تدريجيا مرحلة الحياة الملكية الخاطفة التي عاشتها بشكل سريع كشهاب لمع في حياتها وأفل فجأة. وتفرغت لحياتها مع زوجها الطبيب الذي أنجبت منه ابنا سرّت به كثيرا وأخلصلت لتربيته، ولكن الاستقرار لم يدم طويلا ولاحت سحب في أفق حياة ناريمان زوجها الثاني الذي حمّل والدتها كل المسؤولية في التوتر الذي أصاب علاقتهما والتي وصلت إلى ردهات المحاكم، وتم الطلاق عام 1964.

ويبدو أن الظروف السياسية ألقت بظلالها على حياة الملكة وزوجها أيضا فلم يستطيعا العيش بسلام كأي زوجين طبيعيين ولم تستطع ناريمان أن تتحمل حياة مضطربة وتجربة متوترة للمرة الثانية في حياتها.

 

صورة نادرة للملكة ناريمان مع حفيدتها

الانزواء في الحديقة السرية ونهاية الرحلة

أثناء زواجها الثاني وطلاقها كانت ناريمان حديث الصحافة، وربما لذلك اختارت أثناء زواجها الثالث عام 1967 أن تنأى عن الأضواء وأن تحمي حديقتها السرية. وزوجها الثالث هو أيضا طبيب يشتغل في القوات المسلحة المصرية ولم تنجب منه أبناء بناء على نصيحة الأطباء للحفاظ على صحتها.

عاشت معه بعيدا عن دائرة الضوء وأحكمت إغلاق بيتها في وجه كل الذين يحاولون البحث في الماضي ويريدون إحياء الوقائع التاريخية حفاظا على حياتها الزوجية التي اختارت أن تحميها من أي توتر من ممكن. وقد مرت في حياتها بلحظات إنسانية صعبة، حيث بدأت صحتها منذ أواخر الستينات تعرف تدهورا بشكل تدريجي حتى رحيلها يوم 16 فبراير عام 2005 لنتهي بذلك رحلة آخر ملكات العرش العلوي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.