مجتمع

أزمة التعليم الثانوي في تونس: تعب الأولياء وضياع التلاميذ

لم تدم جلسة التفاوض يوم الإثنين 28 جانفي الجاري بين جامعة التعليم الثانوي وفريق وزارة التربية إلا دقائق، ثم انفجرت التصريحات الإعلامية من الطرفين.

حوار المغالبة

وزير التربية السيد حاتم بن سالم يتهم الفريق النقابي المفاوض بتعمد الاستفزاز من البداية، وكأنه كان يريد إفشال الجلسة وتعطيل التوصل إلى أي نتيجة. الوزير يقول بأن ستّ نقاط من بين تسع وقع الاتفاق عليها ولم تبق إلا ثلاث نقاط كان ممكنا إعتماد مرونة للتوصل إلى حلول.

ما كان لافتا أن السيد وزير التربية خرج للإعلام في حالة “صدمة” ـ والعبارة له ـ قائلا: “نقابة التعليم الثانوي لا يمكن أن يفاوضها لا وزير التربية الذي يقف أمامكم ولا رئيس الحكومة ولا كاتب عام الاتحاد العام التونسي للشغل ولا بيل غيتس”، واصفا الفريق النقابي المفاوض بأنه لا يريد أن يفاوض بل يريد إعطاء أوامر. وهو ما لا يستقيم ولا يُمكن أن تقبل به وزارته، “متوعدا” بأنه “سيطبق القانون بحذافره”، وداعيا في نفس الوقت التلاميذ والأساتذة إلى العودة إلى معاهدهم، “مستدركا” أنه لم يُغلق باب التفاوض، موجها نداءه لرئيس الحكومة وأمين عام المنظمة الشغيلة للتدخل.

نقيب الأساتذة السيد الأسعد اليعقوبي صرح بأن الوزارة تريد أن تنسف ما تم التوصل إليه سابقا لتعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر بهدف التهرب من الاستجابة لمطالب يعتبرها جوهرية وهي: سن التقاعد، والمنحة الخصوصية ووضعية المؤسسات التربوية. اليعقوبي يعلن من أمام وزارة التربية “التعبئة العامة”، داعيا المربين إلى مواصلة النضال من أجل مطالبهم، ومذكرا بتاريخ 06 فيفري القادم باعتباره موعد “يوم الغضب” الذي يريده حاشدا وفاصلا.

 

 

بدا الحوار بين الوزير والنقابة كأنه حوار “مغالبة” إذ سبق أن توعد الوزير بأنه سـ”يؤدب” المربين. وقد اقتطع من أجورهم ستة أيام من الأجر الخام على غير عادة وزراء تربية سابقين لم يقتطعوا بمثل هذا المقدار وفي مناسبات دقيقة كعيد الأضحى والعودة المدرسية وشهر رمضان. الوزير يريد فعلا “ضبط” السير في قطاع التعليم وهو الذي يؤكد على هيبة الدولة وعلى مصلحة التلاميذ.

نقابة التعليم الثانوي ترى أنها هُزمت السنة الفارطة حين قبلت بالعودة إلى الأقسام وإرجاع الأعداد دون تحقيق مكاسب، بل انتهت إلى “خسائر” حين تم الخصم من مرتبات الأساتذة. اليعقوبي يُدرك أن القواعد الأستاذية في أغلبها غضبت منه السنة الفارطة، ولذلك يريد الانتصار لها ولنفسه أيضا. وهذا ما يُفسر ارتفاع سقف خطابه وعُلوّ منسوب ثوريته حتى أنه لم “ينضبط” لقيادة المكتب التنفيذي للاتحاد في مقاربتها للأزمة مع الوزارة. اليعقوبي يعتبر أن المركزية النقابية “خذلت” الأساتذة السنة الفارطة، بعد أن وقفت معهم في البداية وبعد أن وعد الطبوبي شخصيا بأنه سيكون اتفاقا يُرضي المربين داعيا إياهم يومها إلى العودة إلى عملهم وقد استجابوا لدعوته واطمأنوا لوعوده.

تعب الأولياء وضياع التلاميذ

أغلب الأولياء والتلاميذ أصبحوا متابعين لسير المفاوضات بين الوزارة ونقابة التعليم، ويشعرون بخيبة ومرارة كلما فشلت جلسة تفاوضية. التلاميذ أصيبوا في الغالب بضعف العزيمة لغياب “المحفز” وهي الامتحانات والأعداد، وفيهم من خرج للاحتجاج في الشوارع، وربما لا يعرفون ضد من يحتجون. فبعضهم ضد الوزارة وبعضهم ضد إضراب الأساتذة، أما الأولياء فهم الأكثر تأثرا وغضبا بل وحنقا على النقابة وعلى نقيب التعليم الثانوي تحديدا، يصمونه بكل وصم مشين ويحمّلونه مسؤولية “ضياع” أبنائهم. وقد حدث منذ أيام أن توجه أولياء للتجمهر بساحة محمد علي ورفعوا شعارات ضد اليعقوبي تحديدا.

شعور الألم والخيبة والمرارة لدى الأمهات والآباء له ما يُبرره. فأغلب العائلات “تستثمر” في أبنائها وتعتبر التعليم ليس فقط مسارا للتحصيل المعرفي، وإنما سُلّما اجتماعيا للشغل والوظيفة والمكانة.

 

 النضال والتلبيس الإيديولوجي

في كلمته أمام حشد من الأساتذة وبعد الإعلان عن فشل المفاوضات مع وزارة التربية السيد الأسعد اليعقوبي قال “نحبْ نقولْ أيضا موعدْ 06 فيفري مزّالْ قائمْ” . ليس مهما إن كان يقول ذلك للتهديد والضغط لتعجيل الحل مع الوزارة أم يقول ذلك لاستعجال إدارك تلك المحطة. مهم جدا الكشف عن دلالات التزامن الرمزي بين موعد الاحتجاج النقابي وبين جريمة اغتيال الرمز اليساري الشهيد شكري بلعيد (التاريخ متزامن أيضا مع استشهاد سرور ورحمة حرقا بمبيت معهد بمدينة تالة نتيجة الإهمال وسوء العناية).

 

 

إن كان هذا التزامن مع حادثة الاغتيال غير مدروس فبإمكان النقابة إعادة النظر في ما قد يحصل من التباس لدى الناس وشبهة التوظيف السياسي والاستثمار الإيديولوجي، خاصة بعد ما صدر عن اليعقوبي من تصريح فُهم أنه ينسب النقابة لتيارات إيديولوجية دون سواها مما أثار ردود فعل غاضبة على الفضاء الإجتماعي. وإن كان مقصودا، فثمة ملاحظة يمكن سَوقها لنقابة التعليم التي انتمينا إليها وكافحنا معها ودافعنا عنها ومعها، وهي التالية:

إن كانت هذه الوقفة الاحتجاجية المبرمجة لرجال التعليم ليوم 06 فيفري 2019 يُراد منها “هدية” لروح الشهيد شكري بلعيد، فلا أراها إلا إساءة للرجل وتنغيصًا عليه ولا أراه ـ لو تكلم، أو لعله يتكلم ولا نسمعه ـ إلا رافضا لـ”هدية” هي محل نزاع بين مربين في ما بينهم وبين نقابة وأولياء تلاميذ. أولياء كثيرون بل أغلبهم “يبكون” ـ حقيقة لا مجازاـ “ضياع” أبنائهم ـ حقيقة لا مجازا. “هدية” ليست من هدايا “الفرسان” ولكنها تبدو “هدية” مُختطفة اختطافا ومبتلة دموعا ومخدوشة بأظافر أمهات وآباء “يدعون بالشر” على النقابة والمربين وعلى الوزارة. أولياء لا تعنيهم سياسة وليست لهم عداوات مع المربين ولا مع الوزارة ولا يعنيهم إن كان الوزير من الأزلام ولا إن كانت النقابة من اليسار ولا إن كانت النهضة في الحكم ويجب أن تخرج منه.

 

 

أستاذ الأسعد: دافعنا عنك دائما باعتبارك ممثلا لزملائك مؤتمنا على مطالبهم، وسنظل ندافع. وهذا النص بعض الدفاع عنك وعن المربين حتى لا تبدو في صورة من يعتصر دموع أولياء يقدمها هدية لشهيد، فلا الباكون راضون ولا الشهيد يسعد بها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.