اختيار المحررينثقافة

وثائقي الجزيرة “في سبع سنين”: صدمة الشباب المصري

 

 

قد يختلف جميع من شاهد هذا الفيلم الوثائقي، الذي يطلّ على فئة زرعت الأمل في 25 يناير 2011 ولم تحصد سوى الشوك، على القيمة العلمية أو التقنية للعمل، لكن لن يختلف اثنان حول الرجة التي أصابت النفوس مع كل المشاهد المتواترة التي حطمت قداسة الروح من خلال الأحداث التي ما فتئت تنضاف إلى تاريخ مصر من الثورة إلى الانقلاب حتى يومنا هذا.

 

شبان جمعهم التدين وأبعدتهم عنه السياسة بما تعنيه من ظلم وحيف واستيلاب للعقول وتغريب عن المجتمع وسياسات قمعية دمّرت طموحاتهم في الكرامة والحرية وفي أبسط مقومات العيش الكريم.

يبسط العمل 3 مراحل هامة شكّلت التوجه الذي سار فيه مجموعة من الشباب الطموح، أولها زمن حكم حسني مبارك، فسرديّة الثورة وحكم الإخوان المسلمين، وصولا إلى انقلاب المشير عبد الفتاح السيسي.

 

 

انطلق الوثائقي من إحصائيّات مؤسّسات أبحاث عربية وعالمية على غرار استطلاع مؤسسة غالوب التي اعتبرت سنة 2009 أنّ المصريين أكثر شعوب الأرض تدينا، وبحث ميدانيّ لمركز الجزيرة للدراسات التي اتخذت من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 حتى 35 عام عينة له.

وكشف أن هناك 6.5% من العينة لا يدرون إن كان هناك إله أم لا، و4% لا يؤمنون بوجود إله، و24 في المائة لا يعتبرون الحجاب فرضا دينيا، فيما يعتبر 11% أن التسلح هو الحل الوحيد للتعامل مع السلطة.

تعرّض الفيلم إلى انتقادات بالتحامل على الثورة وتشويه فكرتها ومبدأ الشرعية، رغم أنه لا يتطرق مباشرة إلى الحالة السياسية بل يركز على التطور النفسي لحالات اجتماعية، بعضها اتخذ طريقه نحو الإلحاد بعد التدين واتباع السلف الصالح، ومنهم من توجه إلى سوريا وانضمّ لتنظيم الدولة الإسلامية.

 

 

وحتى هذه التناقضات تحمل في رحمها مجموعة أخرى من التناقضات التي تظهر في واقعهم، لأن المجتمع يلفظهم من فوهة التسامح ويرفض اندماجهم فيه.

فالفتاة التي قالت: “أنا كافرة”، بكت من الوحدة رغم اقتناعها بقرارها ولم تجد السند حتى ممن شجعها، وهو ما قد يجعلها تعدل عن قرارها في مرحلة ثانية لأن جميع النهايات مازالت مفتوحة بالنسبة لأغلبهم.

وعندما سلّط المخرج الضوء على مجموعة من الشبان في سوريا، لم تختلف أسباب خيارهم، التي تزامنت كلها مع أحداث فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة ورمسيس وأحداث المنصة، وتعرّضهم لأشنع أنواع التعذيب من النظام المصري.

 

 

ورغم أنّ أغلبهم تحدث حاملا سلاحه، فقد أظهر العمل جزءا مرحا في شخصياتهم، مثل أغانيهم المفضلة زمن ما قبل تنظيم الدولة، عائلاتهم، علاقاتهم العاطفية، والغريب أنهم كانوا من المعجبين بروائع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والسيدة فيروز.

معدّ العمل ومقدّمه، محمد ماهر عقل، قال في حوار له مع قناة الجزيرة إن الفيلم ركز على الدوافع التي حوّلت الشباب المصري إلى الإلحاد أو العمل المسلح باعتبار أنهما أبرز الظواهر التي ارتبطت بهذه الفئة بعد الثورة وذلك استنادا إلى دراسات واحصائيات وبحث معمق قام بها الفريق.

من بين هذه الدوافع هي انفتاح الفضاء المصري بعد ثورة يناير، الذي سمح لهم بالاحتكاك بفضاءات جديدة، علاوة على الخطاب الديني وتحولاته وأحداث رابعة العدوية وما بعدها.

دافع عقل عن العمل الذي ركز فيه على زاويته لكنها تبقى رؤية تحتاج دراسة اجتماعية ونفسية قادرة على التعامل مع هذه الظواهر والتعمق في خلفياتها.

 

 

العمل لم يؤكد أن الشبان الذين ظهروا، حالات معزولة أم أّنهم يمثلون “ظاهرة”، لأنّ الإثبات يحتاج كما أسلفنا دراسة علمية دقيقة، وهو بذلك يدفع إلى التأويل أكثر وإعادة النظر في قضية.

خلقت الثورة كما جاء على لسان أحد المحاورين “صدمة روحية”، جعلت من الشباب المصري جزءا من المشهد السياسي وأحد أبرز مكوناته بعد أن كانوا منومين من قبل شيوخ الدين الذين استثمروا في عقولهم وغيبوا فكرهم واستغلوا الهشاشة النفسية للسيطرة عليهم، وتحت وطأة الضغط الاجتماعي والأسري أحيانا. وهو اليوم شاكر للثورة التي أعادته إلى الواقع ولكنه عاجز عن تخطي أزمته في ظل القمع والاستبداد وفهم ذاته في ظل نمط اجتماعي مختل، ويبقى إصلاحه يبد منظومة كاملة لازالت إلى اليوم تتلاعب به.

وبين من أثنى على أهمية العمل ومن أكد على تشويهه للثورة المصرية، تبقى السنوات السبع عجافا حتى يزهر أبناؤها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.