الرئيسيثقافة

فيلم “دشرة”.. رعب بنكهة تونسية

تحذير: قد تصبح نباتيا بعد مشاهدة الفيلم، وتشكّ في أقرب أصدقائك!

 

“في عينه ماليّة/كنز” هذه هي العبارة التي خطرت لي ولصديقتي تعليقا على ملصق الفيلم الإعلاني الذي ينتشر في أغلب شوارع تونس العاصمة الرئيسية. في الصورة، يطالعك كفان قاسيان بعروق نافرة، يقبضان على رأس طفل يفتح فمه في محاولة للصراخ، أو هو يصرخ ربما. يفتح الإبهامان عينه اليمنى قسرا، وفي بياض العين، تلاحظ نقطة داكنة صغيرة يمين البؤبؤ. النقطة الداكنة نسميها في تونس “ماليّة” أو “كنز”، وكثيرا ما نسمع تعليق “فلان عنده مالية/كنز في عينه”. مع خلفيّة أساسها قصص متداولة وخرافات شعبية عن “الكنوز المخبّأة في العيون” وطقوس “إخراج الكنوز”، ذهبت لمشاهدة “دشرة” لعبد الحميد بوشناق.

العرض

“دشرة” هو أوّل فيلم رعب تونسي، وأوّل فيلم روائي طويل للمخرج الشاب عبد الحميد بوشناق. بعد عرضه في الدورة الفارطة لأيام قرطاج السينمائية، وجولة في المهرجانات العالمية (البندقية الإيطالي، القاهرة الدولي، مسكون لأفلام الرعب بلبنان)، انطلقت يوم 23 جانفي/يناير عروض الفيلم في مختلف قاعات السينما التونسية، وسط إقبال جماهيري كبير. حضرت العرض المبرمج ضمن سلسلة عروض يومية في مدينة الثقافة، نهاية الأسبوع، وتأكيدا للأصداء التي وصلتني، كان فضاء العرض بصفر كرسي فارغ.

 

قصة الفيلم

تبدأ أحداث الفيلم في حصة دراسية، يتناول فيها الأستاذ بالحديث مشروع ختم الدروس، في تخصص يبدو أنه الصحافة أو السينما. ويقدّم توصياته باحترام الآجال و”التجديد” في المواضيع التي يتم تناولها. نتعرّف في المشهد، على أبطال العمل. ثلاثة أصدقاء يقرّرون العمل معا لإنجاز مشروع التخرج، وهم ياسمين: معدة، وبلال: تقني صورة، ووليد تقني صوت. يبقى اختيار الموضوع “المختلف”، موضوع نقاش، حتى يتم الاتفاق على عمل استقصائي عن “منجية”، وهي مريضة غريبة الأطوار في مستشفى الأمراض العقلية. وقد اقترح “وليد” هذا الموضوع (لا تنسوا هذا التفصيل).

 

Résultat de recherche d'images pour "the blair project"

 

قصة “دشرة” مستوحاة من فيلم The Blair Witch Project الذي يعدّ أيقونة في تاريخ أفلام الرعب، وهو من أفظع أفلام رعب التخييم والغابات؛ حيث ينتقل ثلاثة من صانعي الأفلام الهواة إلى غابات “بلاك هيلز” في “ميريلاند” لإنجاز فيلم وثائقي عن أسطورة “ساحرة بلير”، لينتهي بهم المطاف إلى التعامل مع قوى مرعبة لم يتوقّعوها. في الفيلم التونسي، تتجه ياسمين مع وليد وبلال، بعد البحث والتصوير في المستشفى، في رحلة إلى غابات عين دراهم لتقصّي سر “منجية” التي يطلق عليها لقب “السحّارة” والوصول إلى “الدشرة” التي فيها مفتاح اللغز.

يتشابه الفيلمان في نقاط عديدة. فمشروع ساحرة بلير عمل مستقلّ بكلفة منخفضة، وكذلك فيلم “دشرة”، الذي اعتمد فيه عبد الحميد بوشناق على تمويل ذاتي لإنجاز العمل. يبقى أنّ الفيلم الأمريكي يقوم بالأساس على ما وجد من تسجيلات بعد اختفاء الصحفيين، في حين نرافق الصحفيين طيلة رحلتهم في الفيلم التونسي. وهذا يجعله أكثر جاذبية، لتوفّر عناصر قصة واضحة، وأحداث تتطوّر في إطار فيه جانب درامي بالإضافة لجانب الرعب والإثارة.

 

الرعب يتشابه ويختلف

أفلام الغابات أو أفلام التخييم أو أفلام الأكواخ تصنيفات معروفة في سينما الرعب، يمكن إدراج “دشرة” ضمنها. وقد نجح عبد الحميد بوشناق في توظيف غابات عين دراهم لخلق لحظات رعب حقيقية تعتمد على حركة الكاميرا والممثلين بين الأشجار. ومن سبق وزار عين دراهم عموما، و”واد الزان” تحديدا، وركّز في معالم الطريق والمسلك الذي اتّبعه الدليل أثناء رحلة التجوال، سيستمتع بشعور مشاركة أبطال الفيلم نفس المكان، وخاصة لحظة عبور الواد.

ومن رعب الأماكن المفتوحة التي لا بشر فيها ولا حيوانات، وما يخلقه امتداد الغابات مع ارتفاع الأشجار من رهبة وخوف، ينتقل عبد الحميد بوشناق إلى رعب الأماكن المهجورة، ليضاعف جرعة الخوف وينوّع في تشكيلة الرعب. منازل “الدشرة” قديمة جدا ومتداعية، وفيها مبنى مهجور يتكون من طوابق، فكرة دخوله مرعبة، ما بالك حصول مطاردة. وهذا المبنى هو في الأصل نزل قديم قائم في غابات عين دراهم، أرجّح أنه نزل “Les chênes/ السنديان” (ستعرض صوره بعد نهاية الفيلم).

 

Résultat de recherche d'images pour "hotel les chenes ain draham"

 

تتواصل وجبة الرعب بطبق آخر، يعتمد على الدم والأعضاء البشرية والحيوانية، بشكل سيجعل البعض يعاف اللحم ككل وتحديدا “القديد” و”المشاوي” و”الرأس المصلي” لمدة طويلة. في الدشرة، يستقبلك بوشناق بشرائح اللحم المقدد تتدلى على الحبال، والدم يتقاطر منها، مع جلود ماعز ورؤوس هنا وهناك. ثم يدلّلك بمائدة عامرة بما لذّ وطاب وأثار الغثيان، في مشهد عشاء رائع تتأرجح فيه ثريّا فوق رأس الجالسين. هذا دون أن نغفل أجواء المطبخ أو “المخزن” الذي تغلي فيه القدور بكلّ شهي، وتتناثر في أركانه الأعضاء التي سيكون صعبا تمييز البشري من الحيواني منها.

 

Résultat de recherche d'images pour "hotel les chenes ain draham"

 

في الدشرة، الرعب متواصل في كلّ الأركان، كل مكان تأخذك إليه الكاميرا سيخلق شعورا بالاختناق والخوف والرغبة في المغادرة. هذا ما ستشعر به كمشاهد، وهو ذات ما يشعر به الصّحفيون الثلاثة طيلة إقامتهم الإجبارية في هذه القرية المنسية. رعب لا يخلقه المكان بحد ذاته فقط، بل الجو العام (خلطة الإضاءة والألوان والأزياء وقطع الديكور) مع هواجس الأبطال، وأفكارهم التي تتداخل فيها حدّ الالتباس والخلط، التهيّؤات والكوابيس والأحداث الواقعية أو ما تراه عيونهم من مشاهد حقيقية. وطبعا، عزيزي المشاهد، ستعيش كلّ هذا حتى يعتصر قلبك خوفا أحيانا خاصة إذا انسجمت مع الأحداث.

الموروث الثقافي التونسي في الخدمة..

وجبة الرعب التي يقدّمها عبد الحميد بوشناق، تونسية بامتياز. “دشرة” عمل تونسيّ خالص، وظّف الموروث الشعبي التونسي، والمعتقدات الرائجة فيما يخص السحر والشعوذة. إنها المرة الأولى التي سيشعر المشاهد التونسي بالانتماء لفيلم رعب. قد تبدو العبارة غريبة، لكنّ من اعتاد مشاهدة أفلام الرعب الأمريكية والآسيوية والأوروبية، سيدرك القصد ويستشعر الفرق عند مشاهدة “دشرة”. كنتُ أبتسم وأنا أشاهد الفيلم، كلّما التقطت تفصيلا تونسيا لم ولن أجده في أي فيلم آخر.

طقوس استخراج الكنوز والقصص التي ترتبط بها، خصوصية تونسية -وربما مغاربية- خاصة وأنّها ترتبط في الأذهان بضرورة وجود “عزّام” من المستحسن أن يكون مغربيا لضمان النجاعة. واستخراج الكنوز أو الماليّات حسب الرائج شعبيا، يستوجب إسالة دم بشريّ بكميات كثيرة قربانا لحارس الكنز الذي يعتقد غالبا أنه مارد أو جني يتغذى على الدم. ويشترط أن يكون القربان البشري طفلا، يحمل علامة. العلامة إمّا نقطة داكنة في بياض العين أو خطّ مستقيم في كفّ اليد. بهذه الممارسة، يفتتح الفيلم ويختم، وهي إحدى ركائز قصة العمل.

 

 

في الفيلم أيضا، إشارة أو تذكير بالقصص التي تتداول عن غرائب تحدث عند تغسيل الموتى. ويحضر الموتى أيضا، في تجسيد طقوس عمل سحر يُكتب ويوضع في فم الميت، يقال أنّه الأكثر فعالية، وأنّ إزالة أثره أو إزالته مستحيلة. وإذا سبق وسمعت عبارة “كسكسو له بيد ميت”، فإنّ بوشناق سيأخذك لتعاين كيف يتمّ الأمر. وهذا نوع آخر من السحر، يقال أنّه لا فكاك منه.

في الأوساط الشعبية، ما هو الحلّ المرجّح الذي سيقترح عليك، إذا كنت ترى أحلاما مزعجة بشكل متكرر جدا، تطاردك امرأة مخيفة مثلا أو خلافه؟ ستسمع حتما من بين الاقتراحات: “اذهب إلى الشيخ فلان ليرقيك، أو يعالجك”. وفي “دشرة”، سنذهب لزيارة شيخ يصف آيات قرآنية لعلاج كوابيس “ياسمين” المتكررة. ماذا إذا رأيت “عبّيثة” أو تهيّأ لك رؤية شياطين أو أمور خارقة وما شابه، سيقال لك اقرأ المعوّذات، أو ما تيسّر من القرآن أو في حالات أكثر دقّة وتخصصا، دعاء لطرد الأرواح الشريرة. كلّ هذا موجود في “دشرة”، تجميعة من كلّ ما يبعث الخوف ويعالجه، فيضاعفه عند المشاهد.

 

قصص حقيقية تناولها الإعلام التونسي

في الفيلم، إحالات على عدة قصص حقيقية تناولها الإعلام التونسي، أو أنّ الفيلم ذكّرني بها وجعلني أستعيدها. ولست أجزم بأنّ المخرج أخذها بعين الاعتبار عند الإعداد للفيلم أو أنّه فعلا يحيل إليها. فكرة أكل اللحم نيئا وأكل لحوم البشر، والرجل المقيد في إحدى غرف البناية المهجورة الذي يقتات على اللحم البشري، ذكّرتني بقصة الأخوين اللذين يأكلان لحوم البشر. وقد تناول برنامج تلفزي تونسي هذه الحالة الغريبة منذ سنوات، وأثارت جدلا واسعا، خاصة ما أفادت به والدتهما وأختهما من شهادات عن سلوكهما فيما يخص الأكل.

حادثة أخرى عرضت على شاشة التلفزة لابد سيتذكّرها كثيرون عند مشاهدة الفيلم، هي قصة الطفل ربيع الذي اختفى فجأة ليتم اكتشاف جثته لاحقا وعليها آثار اعتداء غريبة. فقد أشارت إحدى المحاميات القائمات بحق عائلته، في حديثها عن ملابسات القضية، إلى وجود كتابات على جسده، وتعمّد قاتليه إفراغ جثته من الدم. وهي ممارسات ترتبط بطقوس إخراج الكنوز، خاصة وأنّ أحد الجناة “عزّام” أو مشعوذ.

 

أفلام عالمية

بالإضافة لفيلم The Blair Witch Project، سيستحضر المشاهد الذي تعوّد مشاهدة أفلام الرعب عدة لقطات وشخصيات من أفلام رعب عالمية شهيرة، بل وتعدّ من العلامات التي تحضر بكثرة في هذا النوع السينمائي، منها مثلا “مشهد تساقط جثث الطيور الميتة من السماء”، والجملة الشهيرة التي يهمس بها أحدهم: “أُنج بحياتك” أو “غادر هذا المكان”. وفيما يلي صور ومشاهد أخرى، حضرتني عند مشاهدة العمل.

فيلم Don’t Look Now

Image associée

فيلم Schindler’s List

Image associée

فيلم Dolly Dearest

Résultat de recherche d'images pour "Dolly Dearest"

فيلم Psycho

 

نقائص؟

في اعتقادي الشخصي، سيكون من الظلم أن نفصّل في نقائص الفيلم، خاصة وهو تجربة مخرجه الأولى، وأوّل فيلم من نوعه في السينما التونسية. فقط أودّ أن أشير لكون بعض مكوّنات الديكور بدت لي غير مناسبة تماما لـ”دشرة” منسية في جبال عين دراهم، خاصة في البيت الذي أقام فيه الصحفيون (الستائر، دورة المياه، الأريكة). يوجد ببعض التمطيط أو التمديد وسط الفيلم، البطء في تطوّر الأحداث عند إقامة الصحفيين في الدشرة أشعرني ببعض الملل.

فيلم “دشرة”، رعب بنكهة تونسية خالصة. كمشاهدة، استمتعت بفيلم عبد الحميد بوشناق، وأغلب تعليقات من شاهد نفس العرض كانت إيجابية. صديقتي كانت كثيرا ما تشيح بوجهها عن الشاشة خوفا أثناء المشاهدة، ولم نحظ بنوم هنيء تلك الليلة. أظنّ هذا كافيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.