مجتمع

بعد أعوام طويلة من التحرش

 

 

نشعر أحيانا بأن من يتحدثون عن الآثار النفسية للعدوان على الأطفال بأشكاله المختلفة يبالغون، ويشطحون، فالأذى ينتهي بانتهاء تعرض الطفل للمؤثر السلبي، إلا أن الواقع والتجارب الشخصية والدراسات تثبت أن الأذى لا ينتهي بانتهاء الواقعة، بل يمتد أثرها لسنوات طويلة قد تصل للعمر كله. وفي ما يلي أحد الأمثلة الواقعية، حيث تقول سيدة في السابعة والأربعين من العمر:

 

كنت في السابعة من عمري عندما ذهبت إلى مكتبة أشتري دفترا وقلما، وخلال نظري للرفوف وبحثي عن ما أحتاج، رأيت البائع يفك زر سرواله، ويفتح السحَّاب وينزل ملابسه قليلا، ويهز جزءا من جسده لا أعرفه، فأنا صغيرة ولم يكن لي إخوة ذكور يصغرونني لأرى أعضاءهم وأتعرف عليها. شعرت بخوف دفين لا أعرف له سببا. ابتعدت عنه، ولكنه لحق بي، وعاد يقترب مني.. خفت أكثر، برغم أني لم أدرك ماذا يجري، وراح يقول لي: “كم أنت جميلة.”. لم تعن لي هذه العبارة شيئا، فلم يكن حينها للجمال أدنى أهمية في اعتباري.

كنت أهرب لإحدى الزوايا فيتبعني، وهو يتصرّف بطريقة غريبة لم أدرك معناها، ولقلة وعيي، لم أهرب إلى الخارج أو أصرخ لطلب المساعدة. كان هدفي الدفتر الذي يجب أن أكتب الواجب المدرسي عليه، حتى لا أتعرض لعقاب المعلمة.

 

فجأة ومن دون مبرر منطقي، استعدت ذكريات ذلك اليوم الطفولي، فعادت تحتل جزءا من وعيي، ورحت أفندها، وأحللها، فربطت بين ما حدث لي في طفولتي وبين كوابيسي الليلية المرعبة، والرجال الذين يطاردونني ويحاولون لمس جسدي فيها

 

ولولا أن الله سلَّم لكانت حياتي قد أخذت منحى آخر. فقد حضر إلى المكتبة رجل كبير في السن لا أعرفه، ولا أدري إن كان قد لاحظ وجود خطأ، ما أم أنها الأقدار المكتوبة هي التي ساقته إلى هذا المكان لينقذني من كارثة. فقد أمر الرجل صاحب المكتبة بحزم أن يعطيني ما حضرت لأجله. ضممت الدفتر والقلم إلى صدري ورحت أعدو عائدة إلى البيت وكأن شيئا لم يكن.

لم أخبر أحدا بما جرى معي، فلم تعلم أمي أو أبي أو جدتي، لأنني لم أكن أعلم بأنني يجب أن أفعل، وببراءة الأطفال نسيت الموضوع تماما، أو هكذا اعتقدت. ومضت بي الأيام.. وأصبحت كثيرة الاستيقاظ ليلا على كوابيس ليلية تثقل كاهلي، وتعكر صفو حياتي، برغم أني في النهار لا أذكر شيئا منها.. ورحت أخشى الذهاب لأي مكان وحدي، وأفضّل البقاء في البيت. وتأصلّت في نفسي كراهية ذلك الشخص وخوفي من الأماكن المغلقة.

ونضجت وغدوت شابة ترفض الذكور تماما، وترفض كل ما يمت لهم بصلة، حتى فكرة الزواج كانت هاجسا يؤرّقني ويسبّب لي الخوف الدائم من أن أُضطر للرضوخ لضغوط والدتي وإلحاحها عليَّ بأن أقبل الزواج ممن كانت تراهم يناسبونني، وأيضا دون أن أعلم لماذا..

 

أدركت في وقت متأخر جدا مدى تأثير ما حدث معي في تلك المرحلة من عمري في نفسيتي، فالأذى لم ينتهِ بخروجي سالمة من المكتبة، وإنما امتد ليؤثر فيَّ لسنوات طويلة تعذبت خلالها دون أن أعلم أين يكمن الخلل

 

وشرعت في دراستي الجامعية في علم النفس حين رحت أربط سلوكياتي من رفض للذكور وكوابيسي الليلية المتكررة. كانت أحلاما مختلفة، أرى فيها وجوه رجال يقتربون مني، نظراتهم تخيفني وتربكني، يحاولون لمس جسدي. أستيقظ، أصرخ، أبكي..

وانتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي بالزواج، دون أن تتوقف تلك الكوابيس، ودون أن أتوقف عن الاستيقاظ مذعورة باكية في جوف الليل، ليستيقظ زوجي باذلا ما بوسعه ليطمئنني ويهدئ من روعي.. وأيضا دون أن أدرك السبب وراء ما يجري.

وذات يوم، فجأة ومن دون مبرر منطقي، استعدت ذكريات ذلك اليوم الطفولي، فعادت تحتل جزءا من وعيي، ورحت أسترجعها، وأحللها. فربطت بين ما حدث لي في طفولتي وبين كوابيسي الليلية المرعبة، والرجال الذين يطاردونني ويحاولون لمس جسدي فيها. علمت أنني وبلاشعور مني، قمت بإزاحة تلك التجربة إلى الجزء اللاواعي من عقلي، لأوهم نفسي بأني نسيت، أو أنها لم تؤثر بي، بيد أن ذلك لم يكن الحقيقة.

أدركت في وقت متأخر جدا مدى تأثير ما حدث معي في تلك المرحلة من عمري في نفسيتي، فالأذى لم ينتهِ بخروجي سالمة من المكتبة، وإنما امتد ليؤثر فيَّ لسنوات طويلة تعذّبت خلالها دون أن أعلم أين يكمن الخلل.

وأقول قبل أن أترككم: لو أن تلك المرأة تلقّت علاجا نفسيا في ذلك الوقت، لربما انتهى التأثير السلبي لما حدث، واقتصر على الأيام الأولى.

الوسوم

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.