ثقافة

ريح الفرنان: بكائية القاصرات حين يُقتلعن من جذورهنّ في شمال الصقيع

 

“ما أجمل الحياة ريفنا” هي  أنشودة تتغنى بخضرة ريف الشمال الغربي ترددها فتاة تقف على الطريق لتبيع بعض الأواني الفخارية وبعض نباتات الزينة وفي الأثناء تحفظ درس القراءة الذي كلفتها معلمتها بحفظه.

هي تفاصيل موغلة في البساطة ولكن خلف جمال هذا الريف تمكن المعاناة والمكابدة التي صاغها الفنان نور الدين الورغي في نص جميل وموغل في الوجع قدمته كاميرا المخرج حمادي عرافة في سردية على بحر البكاء توثق حياة أهالي الشمال الغربي في تونس المتروكون لمصيرهم أولئك الذين تخلت عنهم دولة الإستقلال التي أسست مجدها على أساس جهوي بغيض أسقطت فيه من حسابها أهالي الشمال ووالوسط الغربي والجنوب مع تمييز واضح لفائدة أهل الساحل والعاصمة.

وكانت نتاج عقود من الضيم والحيف هوة سحيقة بين تونس الأعماق وتونس الساحلية تتجلى اليوم في الواقع المعيش وتبدو بجلاء أكثر فصل الشتاء عندما تحاصرهم  الثلوج وينقطع عنهم التيار الكهربائي وتربد السبل المؤدية إليهم وتطبق عليهم العزلة من الجهات الست.

إختزل الورغي وعرافة معاناة هؤلاء السكان في فيلم تلفزي وسمه بريح الفرنان في إشارة إلى أشجار الزان والفرنان والحور والصنوبر الحلبي التي تزين غابات الشمال الغربي وتمنحها سحرا ورونقا.

لكن خلف هذا الجمال الطبيعي الباذخ تكمن مأساة أناس لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا هنا.

يبدأ الشريط بكابوس يعاني منه العم الهادي الذي يحلم بأنه يطارد خنزيرا بريا و يسفيق مذعورا نتيجته وتكشف الكاميرا بعض الجزئيات من بيت هذا الرجل المتواضع جدا والذي لا يقيه الصقيع المميت.

وتوغل كاميرا حمادي عرافة في متابعة خطوات الأطفال الذين يستفيقون باكرا ” من النجمة ” كما يقول الأهالي هناك ليلتحقون بمدرسة نائية تبعد عنهم عديد الكلمترات يقطعون إليها جبالا وأودية يستوطنها الخنزير البري وقلوبهم وجلة وأنفاسهم متقطعة ولا يجدون مرفأ سوى في قاعة الدرس مع معلمتهم نبيهة التي تحفزهم على تجاوز ظروفهم الصعبة من أجل طلب العلم .

وفي الأثناء يسلط المخرج الضوء على عائلة العم علي هذا الرجل العنيف المتواكل الذي لا يريد العمل ويفر منه بكل الطرق معتمدا على عرق زوجته نعناعة التي تقدّ خزفا فنيا في غاية الروعة ويبيعه إبنها للعابرين على الطريق بعد أن حرمه والده من مواصلة التعليم في حين ظلت الأم تصارع من أجل أن لا يحرم إبنتهما حورية من التعليم وهي تلميذة نجيبة وقلبها متعلق بالدراسة كما يتعلق قلب مدرّستها بها.

وببراعة فائقة تعري الكاميرا صعوبة حياة هؤلاء القرويين القابعين في أحشاء الجبال يصارعون الطبيعة والحياة بصبر يفوق طاقة الجبال ذاتها.

 

 

يتوقف الشريط عند صعوبة حياة نساء هذه المناطق اللواتي يتفوقن على الرجال في عنادهن ومواجهتن للحياة الصعبة وهن اللواتي يتحملن القسط الأكبر من شظف العيش والمعاناة مع الفقر و وقسوة الطبيعة.

فهؤلاء اللواتي يحملن الماء في أواني على ظهورهن إلى البيوت من العيون البعيدة وهن اللواتي يجمعن الحطب ويحملهن أيضا على ظهورهن من أجل الطبخ والتدفئة أو ليباع إلى النزل.

كما أن جلهن يمارسن صناعة الخزف التي تدر عليهن اليسير من المال عندما تباع لمن يعبرون هذه المناطق أو يفدون عليها من العاصمة والمناطق الأكثر حظا للفسحة وتغيير الجو والإستمتاع بسحرها.

 

 

وخلال مسيرة الشريط ندرك سر كوابيس العم الهادي الذي قتل إنه البكر خلال مطاردة للخنزير البري وهي الرياضة التي يمارسها بعض السياح وتحديدا الألمان في جبال تلك المنطقة وغالبا ما يقوم بعض الأفراد ن مرافقتهم لمساعدتهم على إكتشاف جحور الخنازير وإطلاق بعض الأصوات التي تستفزهم لمغادرتها.

أما نقطة الإرتكاز في هذا الشريط فهي حقا واقع الفتيات في شمال الصقيع وهن اللواتي يقتلعن من جذورهن في سن مبكرة وينقطعن عن التعليم لتلتحق أغلبهن بالعمل في البيوت كخادمات في العاصمة مقابل ملاليم قليلة لا تفي بالحاجة.

 

 

وغالبا ما يقوم الأباء ببيع فلذات أكبادهم في حين ترفض جل الفتيات وأمهاتهن ذلك لكن سطوة وسلطة الذكر في المجتمع القروي تجعل إرادته هي التي تنفذ.

وهذا ما يحدث في هذا الشريط وما يتناوله بالتدقيق من خلال حكايات النساء اللواتي يتداولنها عن الفتيات الجميلات اللواتي يغادرن الريف إلى العاصمة ويعدن بعد أن فقدن نضارتهن وجمالهن جراء المعاملة اللانسانية التي يلاقينها في بيوت أغنياء العاصمة.

ونلمح شخصية لمين السمسار الذي يبيع الفتيات القاصرات للباحثين عن خادمات وهو يبيع تحف الخيزان على الشارع الكبير ويلتقي بهؤلاء القادمين ويعرض عليهم خدماته مقابل مبالغ من المال . وهي يقتنص ” فريسته ” من بين الفتيات اللواتي ينقطعن عن التعليم وتكون ظروفهن العائلية صعبة فيحاول التأثير على الوالد من أجل التفريط في فلذات كبدهم.

 

 

وهو ما حدث مع العم علي الذي أثر عليه من أجل أن يجعل إبنته القاصر حورية تنقطع عن التعليم وتعمل في البيوت وهو أمر ترفضه الأم والفتاة ولكن الوالد ينفذ إرادته.

وفي مشهد لافت جسد الشريط  المفارقة بين أهل العاصمة القادمين في سيارتهم الفخمة وبين مظاهر البؤس والفقر وتردي البنية التحتية في هذه الربوع. وما بين أناقة السيدة القادمة من العاصمة وتعاليها وما بين صمت وحزن أم الفتاة قال هذا العمل الفني كل شيء عن الظلم والفقر والتهميش والحيف والتمييز بين الجهات والطبقات في تونس.

وفي اللحظة التي تأتي فيها معلمة المدرسة التي تناضل من أجل النور في هذا الريف لتزف بشارة خير إلى أم حورية تعلمها أنها نالت جائزة عن إبداعها في صناعة الخزف تكون حورية قد إنطلقت على متن السيارة الفاخرة إلى مصير مجهول وهي تلوح للجميع عبر البلور وكأنها تستجدي المساعدة والخلاص من هؤلاء الغرباء الذين إقتلعوها من جذورها.

 

 

وعندما  تتوقف السيارة عند  طفل يبيع نبتة تسمى  “سبحان الله”.

ويدور نقاش بينه وبين هؤلاء الغرباء ولا يملك سوى أن يرفض كلمات الإحتقار التي توجهت بها السيدة المتعالية إليها حدث هذا تجد الفتاة الفرصة لتفر وتتوغل في أحشاء الجبل لعله تجد فيه  الدفء والحنان  الذي لم يمنحهما لها  حضن والدها الذي ألقى بها إلى مصير مجهول مقابل مبلغ زهيد .

قضت الفتاة ليلة في أحشاء الجبل ولم تنجح محاولات السلطات الأمنية للعثور عليها ومحاولات معلمتها حتى عادت صباحا ولكن إلى بيت معلمتها واضعة مصيرها ومستقبلها بين يدي هذه السيدة التي أرادها كلتب النص نموذجا للمرأة الريفية المناضلة المتعلمة التي لم تتخل عن مسقط رأسها رغم أن إمكانية إقامتها في باريس مع زوجها لكن إختارت الإختيار المر.

هكذا تتجلى ريح الفرنان ريح قادم من شمال الصقيع يعري سوءة الذين حكموا هذه البلاد وتخلوا عن جزء منها ورغم أن عمر هذا الفيلم حوالي 23 عاما اليوم فقد قدم عام 1997 إلا أن القضايا التي تطرحها لا زالت آنية وفائرة وتلك قيمة رسالة الفن الخالدة.

كما تحسد لصناع هذا العمل جرأتهم في طرح مواضيع مسكوت عنها في زمن الإستبداد عندما كانت السينما التونسية مغرقة في تفاصيل الحمام وما يحف به وكانت الدراما التلفزية موغلة في مجملها في السذاجة. وهذه المواضيع لم تطرح حتى اليوم بنفس الصدق والجمالية رغم الحرية التي بلا سقف والتي إستغلها الكثيرون من أجل الإثارة والإيغال في الإبتذال والسطحية.

ولكن وحدها المقاربات الفنية الرصينة والعميقة والجادة تصمد في وجه الزمن وتحقق خلودها.

يذكر أن أبطال هذا الفيلم هم ناجية الورغي وآمال علوان ولزهاري السباعي والهادي الزغلامي وسمير العيادي وليلى الشابي .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.