اختيار المحررينثقافة

ماذا يوجد جنوب الحدود.. غرب الشمس؟  

رواية الأديب الياباني هاروكي موراكامي تقدمها: وفاء هلال

 

حين كان يسمع الطفلان شيماموتو و هاجيمي  تلك الـأغنية المكسيسكة “جنوب الحدود”  ، كانت دائما شيماموتو ما تظن بأن هناك  شيئا ما، جنوب الحدود، في المكان الذي لم يصلا إليه أبدا، شيء ما “جميل وكبير وناعم .. هناك “

 

هاجيمي، الطفل المدلل المولود في أسرة يابانية تحتضن طفلا واحدا، يصف بأنه أمر غير عادي وسبب له عقدة نقص، الأسر في اليابان بها طفلين وربما ثلاثة لكن اسرة بطفل واحد هذا ماكان نادرا .

يلتقي تلك الفتاة العرجاء وحيدة أسرتها أيضا، وتنشأ بينهما علاقة صداقة بها الكثير من التفاصيل والأحاديث، يجلسون بعد المدرسة يوميا على الأريكة ويقضيان الوقت في قراءة سجلات والدها.

ربما نشأت العلاقة بين شيماموتو و هاجيمي بسبب أن كلاهما طفل واحد وشعر  هاجيني بأنها تشبهه ، قد يكون هذا سبب الإنجذاب واستمرار العلاقة بينهما.

إلا انها لم تدُم للأبد، بانتقال هاجيمي لمرحلة أكبر تعرف على فتاه أخرى، لينتقل للجامعه ويتعرف على فتاه أخرى، مع جرح عاطفي يسببه لكل فتاة يتركها.

إلا أنه في النهاية يتزوج الفتاة الرابعة في حياته “يوكيتو” ابنة أحد رجال الإنشاءات والعقارات ، ليفتتح هاجيمي مقهاه الخاص ويبدأ في العمل به.

ينجب ابنتين، إلا أن حياته لا تشبه حياة اللآباء، فهو دائما بعيد عنهما يبحث عن شئ، يصف هاروكي في روايته على لسان هاجيمي بأن الفتيات “كبرن وحدهن”

في إشارة إلى أن هاجيمي تنامت لديه نزعة الأنا والإستقلال على ضوء نشئته فتى وحيدا ، يزيد على ذلك أن لا صداقات لديه، يحيا وحده ويتحجج بأنه ” وقت فراغي أحب أن يكون لي وحدي” ، حتى أن الرياضة التي يمارسها هي السباحة -رياضة فردية – لا تتطلب مته تعاملات ولا احتكاك بفريق.

 

 

 

دورة الحياة التي تتحدث عنها الرواية هي دورة من السعي المستمر واللهث وراء الشمس، سعي عبثي لا نهائي
حين تلتقي شيماموتو ب هاجيمي يوما تعبر له عن تلك الدائرة  “حاول أن تتخيل التالي: أنت فلاح وتعيش وحيداً في تندرا سيبيريا، تحرث أرضك كل يوم، ولا ترى شيئاً على مدى البصر، إلى الشمال يوجد الأفق، وإلى الشرق الأفق، وإلى الجنوب والغرب مزيد من الشيء نفسه. كل صباح حين تشرق الشمس من الشرق، تذهب إلى العمل في حقلك. حين تصبح عمودية فوق رأسك تأخذ فترة راحة لتناول الغداء، عندما تغوص في الغرب، تذهب إلى البيت وتنام.

ثم في يوم ما يقرر الفلاح أن يلقي محراثه ويبدأ بالسير نحو الغرب، للحاق بالشمس، حتى ينهار على الأرض ويموت من هنا جاء نصف عنوان الرواية،  “غرب الشمس” وهي متلازمة  تصيب بعض سكان سيبيريا والمناطق القطبية ممن يتابعون شروق الشمس وغروبها على مساحاتهم الشاسعة دون أي تغيير في نمط الحياة اليومي أو في موضع الشمس في الأفق.

 

سألتها: لكن ماذا يوجد هناك، إلى الغرب من الشمس؟هزت رأسها ثانية وقالت: “لا أعرف. ربما لا شيء، وربما شيء ما. ولكنه في جميع الأحوال مختلف عما يوجد جنوب الحدود”.

 

تتحدث شيماموتو عن دائرة تستمر سنة بعد سنة بعد سنة، في استعارة شيماموتو لحكاية الفلاح إضاءة لتلك الدورة الكبرى التي تدور فيها الشخصيات، ثمة حلم في البداية (جنوب الحدود) ثم عمل في النهاية للحاق بالشمس، لكن الحلم فارغ وكذلك الجهة المنشودة، وكل ما يستطيع المرء أن يصل إليه هو نهايته، وفي هذا يتبدى قدر كبير من العبث، ويغدو الحضور غياباً، لأن كل شخصية تتطلع لحضور آخر غير موجود، يصبح بعدها غياب شيماموتو وتوق هاجيمي الشيء الحقيقي الوحيد الذي يملأ عالمه – كما سيتبين أنه يملأ عالمها- ويغدو كل وصول هو فراق آجلا أو عاجلا .

لذا ليس من الغريب أن تختفي شيماموتو لأنها تدرك أن وصولها يعني بداية نهايتها، وأنها ستكون مثل ذلك الفلاح في حقله، الفلاح الذي لا يفكر بالمغادرة.

 

 

وهكذا تختار شيماموتو أن تلحق بالشمس تاركة هاجيمي في حقل حياته وزواجه.

الرواية ليست مكتوبة بلغة صعبة ولا معقدة التراكيب ولا كثيرة الاستعارات، لكنها غاصت في واحد من أعمق الأحاسيس الإنسانية، التي تدفع المرء لترك كل شئ خلفه من أجل نظرة أنانية للحياة، حتى لو على حساب غيره من الاشخاص .

بها رمزية واضحة ايضا، إذ أن  جنوب الحدود يشير إلى اكتشاف أن ما وراء الحدود ربما لا يكون أي شيء على الإطلاق، بينما غرب الشمس يرمز للبحث عن  شيء ما في مكان مختلف لا يمكن أن يكون موجودا..

نجح هاجيمي في حياته بشكل يفوق توقعاته، وأحب زوجته وابنتيه لكنه دائما مايسعى وراء المزيد ، يسعى وراء شئ في الغالب ليس موجودا أصلا .

إنه يرغب في شيماموتو، لكنه في الحقيقة لا يملك أدنى فكرة عما يعنيه ذلك.

تقول شيماموتو “الحقيقة المرة هي أن بعض الأشياء لا يمكن أن تعود إلى الوراء. فبمجرد انطلاقها للأمام، ومهما حاولنا، فإنها لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه في السابق. إذا وقع خلل بسيط في جزئية بسيطة للغاية فإنه سوف يبقى على حاله إلى الأبد”.

وكما أن غرب الشمس لا يمكن الوصول إليه أبدا، فإن هاجيمي لن يستطيع أبدا العودة إلى الماضي الذي عاشه مع شيماموتو.

الرواية تحكي أحداثا عادية بسرد عادي لكن تأثيرها غير عادي وهذا مايميز أغلب أعمال “هاروكي” إن لم يكن كلها، لأنها بالفعل تجذب انتباه القارئ وتدفعه دفعا للاستكمال والتوقع، تأخذ بيده حتى نهايتها ثم تتركه لنهاية يتخيلها بنفسه .

تلقي الرواية الضوء أيضا على واحدة من مشكلات اليابان وهي أن المجتمع “هَرِم” لأن الاجيال التي نتجت من أسر اكتفت بطل واحد خرجت أنانية يسيطر عليها نمط الحياة الرأسمالي وتبتعد بشكل كبير عن شكل الحياة الشرقي في اليابان الذي كان يجعل الأولوية لتكوين الأسر و الحفاظ على تماسكها وترابطها.

 

الأديب الياباني هاروكي موراكامي

 

هاروكي موراكامي 

لم يكن الشاب العشريني “هاروكي” صاحب المقهي وبار بيتكات، يعلم أنه في يوم من الأيام سوف يصير من كبار الكتاب الآسيويين، بل والعالميين أيضا.

درس المسرح في الجامعة ورغم ترجمته للعديد من الروايات للغة اليابانية من الإنجليزية  إلا أن الأمر لم يشغل باله.

في السبعينيات، حاول اختبار قدراته في الكتابة، وعام 1987كانت انطلاقته الأولى عبر رواية “الغابة النرويجية” وجعلت منه شخصية مشهورة .

بعض الكتاب اليابانيين وصفوه بأنه “ليس يابانيا كفاية” ، ذلك لأن أغلب كتاباته تمتاز بدمج الروح الغربية مع الروح اليابانية بشكل واضح جدا، يظهر في ثقافة أبطال الرواية وميولهم وموسيقاهم المفضلة وأحيانا أسماء رواياته نفسها كما في حال روايتنا الآن .

وبعد نشر روايته «كافكا على الشاطئ» (2002)، أصبح موراكامي أحد المرشّحين الدائمين لجائزة «نوبل»، ليقل إنتاجه لاحقاً ويقتصر على ثلاث روايات خلال 12 عاماً، ربما ليؤكّد تعليقه على «نوبل» بالقول «لا أريد الجوائز. إنها تعني أنك قد انتهيت».

هاروكي موراكامي يعتبر من أكثر الكتاب الآسيويين بروزا ، روائي معاصر ولد عام 1949 و درس  الدراما في جامعة واسيدا في طوكيو، حيث التقى زوجته “يوكو” .

كانت وظيفته الأولى في متجر تسجيلات، وهو عمل أحد شخصياته الرئيسية، تورو واتانابي في رواية الخشب النرويجي.

قبل وقت قصير قبل انتهائه من دراسته، فتح موراكامي مقهى “بيتر كات” مع زوجته الذي كان يقدم موسيقى جاز في المساء في كوكوبونجي، طوكيو.

تتقاطع أحداث رواية “جنوب الحدود غرب الشمس” كثيرا مع واقع مؤلفها.

هاجيني بطل الرواية ولد وحيدا لأبويه، وكذلك هاروكي، كلاهما يحب السباحة، كلاهما عاشق لموسيقى الجاز، كلاهما انتقل لثلاث مدن تزامنا مع مراحل نموهما المختلفة (الطفولة والصبا والشباب).

خصوصا وأن هاروكي يفضل العزلة في حياته الشخصية والأدبية، كما لا يحبّذ السفر خارج اليابان باستثناء السنوات الثلاث بين 1992_1995 التي قضاها كاتباً زائراً في بعض الجامعات الأميركية.

لذا، ربما  يكون هاروكي قد تحدث عن نفسه ومشاعره وأفكاره في تلك الرواية ، لكن هل فعلا تعبر عنه وعن صراعاته الداخلية؟

لا أحد يجزم بذلك..!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.