منوعات

التقريطة.. وشاح يختزل تاريخا ومعان في طياته

 

 

تُعرف النساء التونسيات بارتداء “التقريطة”، التي يتداول اسمها أيضا في المعجم المحلي واللهجة العامية التونسية بـ”التعصفيرة”. 

والتقريطة هي منديل، مربع الشكل، تختلف ألوانه التي تتزين برسوم الأزهار والأعشاب والخيوط الذهبية والفضية. وتقوم النسوة بطيّه في شكل مثلث، لتغطية الشعر، دون أن يشمل كامل الرأس. وقد ظلت هذه الطريقة متوارثة عند التونسيات قديما، حتى أصبحت عادة وتقليدا يوميا، خاصة عند ربات البيوت، إلى يومنا هذا.

وقد ذهب الباحثون، إلى أنّ التقريطة، هي لباس أمازيغي الأصل، وهي مستمدة أساسا من الكلمة الأمازيغية “تكاروت”،  “takârut “، التي تعني عمامة لف الرأس، المصنوعة من الصوف. وقد استبدلت بالكلمة الفرنسية، “فولار “” foulard”، بمعنى وشاح الرأس، بعد الاستعمار الفرنسي، الذي امتد من سنة 1881،  حتى سنة 1956. وأصبحت كلمة “تقريطة”، ترمز إلى طريقة تغطية الشعر وليس إلى معنى الوشاح.

 

لباس نسائي تقليدي

تعتبر “التقريطة”، التي تتميز بألوانها الزاهية ورسوم الورود، جزءا من اللباس النسوي التقليدي، عند النساء التونسيات. وقد ارتبط حضورها بما يعرف بـ”مريول فضيلة” المخطط بالأزرق والبنفسجي، والبلوزة والتنورة الطويلة إلى جانب لباس السفساري والجبة العريقة. ومن تابع الدراما التونسية ذات الصبغة التاريخية والاجتماعية، التي عرضت في سنوات 1994، حتى نهاية الألفية الثانية، مثل الخطاب على الباب وقمرة سيدي محروس، يلاحظ حضور المرأة التي تلف رأسها بالتقريطة. وتتميز هذه المرأة بحضورها القوي والمؤثر، فهي رمز من رموز الأصالة.

زائر محلات بيع الألبسة والأزياء التقليدية، في كامل ربوع البلاد التونسية، تشدّه حتما أقمشة “التقريطة”، التي تختزل ألوانها الزاهية وتصاميمه روح حضارة تعود لآلاف السنين.

 

جمال المرأة بوشاحها ووشمها

تعد التقريطة أو “التعصفيرة”، إلى جانب الوشم، الذي كانت النسوة تنقشنه قديما على جباههن، رمزا من رموز زينة الأنثى التي اتخذت وشاحا صغيرا لربطه بطريقة محكمة على الرأس والشعر، وغالبا ما تضاف إليه الحلي، والكحل. وهو يعتبر رمزا من رموز الحشمة والحياء، باعتبار أن الإناث قديما، كن يستحين من الخروج مكشوفات الرأس والشعر.

ورغم أن الجدات والأمهات، قد حافظن على هذه العادة في اللباس، إلا أنه بات يقتصر اليوم، على ربات البيوت اللاتي يعتبرن تقريطة الرأس، طريقة تسهل قضاء شؤون المنزل. فهي تحمي شعورهن من أثر الغبار وأشعة الشمس الحارقة أو البرد الشديد، ويرتدينه أيضا أثناء موسم عولة الكسكسي. لم تعد الشابات اليوم يستعملن التقريطة، إلا عند العروس أو النّفَساء.

 


 وشاح العروس

ماتزال العائلات التونسية، تحرص خلال موسم الأعراس على المحافظة على كل ما له صلة بالتراث، من عادات إحياء الحفلات إلى اللباس. ولذلك يغطّى شعر العروس خلال الأسبوع الذي يسبق يوم الزواج، بالتقريطة، للمحافظة على شعرها من الجفاف والتقصف ولعادة “لمان السر” (حفظ السرّ).

وفي يوم حمام العروس، يُستر وجه العروس بمنديل أحمر اللون ومخطط باللونين الأزرق والأصفر، إضافة إلى “التعصفيرة”، تحت السفساري. ومن الطرائف أن هذا الوشاح، الذي هو عبارة عن برقع وستار يتيح للعروس، مشاهدة من حولها ولكن لا أحد يمكنه رؤية وجهها.

 

عصابة النُّفَساء

دأبت النساء التونسيات وخاصة في الضواحي والأحياء الشعبية والأرياف على لف رأس المرأة التي تلد ولادة طبيعية بالتقريطة عند النفاس. وتدلك فروة رأسها بزيت الزيتون، وتسمى تلك الطريقة بالكبس، حتى تتخلص من آلام الرأس، التي صاحبتها بعد المخاض ولتفادي إصابتها عند تقدم العمر بأمراض الصداع المزمن والشقيقة.

 

 

لا تعتبر التقريطة التونسية، مجرد وشاح يلف به الرأس ويغطّى شعر المرأة، بل هو اختزال لموروث ثقافي وطابع حضاري، يخفي بين طياته قيما جوهرية، على رأسها الحشمة والحياء.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.