اختيار المحررينثقافة

عمارة يعقوبيان: انكسار البنيات الاجتماعية على صخرة الواقع المأساوي

 

 

هل يضيف النص الأدبي الفذ إلى السينما بعدا آخر أم هي الشاشة الفضية تضفي على “المكتوب” بعدا آخر وتضفي عليه من سحرها؟

 

هو سؤال متجدد  يعود كلما توقفنا عند فيلم مقتبس من رواية شهيرة، وتتفرّع عنه أسئلة أخرى كثيرة عن مدى التزام المخرج بمضمون الرواية وأبعادها الفكرية والفلسفية. وقد تأخذنا الحماسة إلى إمكانات التساؤل عن خيانة ما يقترفها المخرج بمجرد أن تدور الكاميرا ويترك الرواية جانبا. وربما نظل نبحث عن تفاصيل الوجوه والملامح التي حاكها قلم الكاتب بين ثنايا القصة كما يقدمها المخرج، وفي معالم الفنانين الذين تقمصوا هذه الشخصيات، ولكن من الإنصاف القول إن أعظم أو أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية والعربية هي تلك التي صيغت انطلاقا من نصوص أدبية شهيرة. ويكفي أن نتوقف عند روائع “زوربا اليوناني” و”الدكتور جيفاغو” و”ذهب مع الريح” و”العصافير تختبىء لتموت” و “لمن تقرع الأجراس” و”العراب” و”فورست غامب”.

عربيا، لا يمكن أن لا تستوقفنا روايات إحسان عبد القدوس التي تحولت إلى أفلام، وأهمها “في بيتنا رجل” و”الوسادة الخالية”، ثم روايات عبد الرحمان الشرقاوي وأشهرها “الأرض”، وكذلك أعمال طه حسين وأشهرها “الأيام” و”دعاء الكروان”، ثم أعمال يوسف إدريس وأبرزها الحرام وحادثة شرف، دون أن نقفز على أعمال نجيب محفوظ على غرار “الثلاثية” و “اللص والكلاب” و”السمان والخريف” وغيرها.

 

Image associée

 

وفي العقود الأخيرة، برز اسم علاء الأسواني ضمن هذه القائمة وهو الطبيب الروائي الذي يوجز وصف النص الأدبي والرواية تحديدا بكونها “حياة على الورق”. روايته عمارة يعقوبيان وفية لهذا الوصف كأبلغ ما يكون الوفاء. وقد أعادت للرواية المصرية التي تتحول إلى السينما مجدها، بل لعلّها ضاهت في نجاحها أعمال الرواد الذين ذكرناهم آنفا. ولقد تحولت عمارة يعقوبيان إلى فيلم ثم دراما تلفزية بفضل نجاحها الكاسح، وهي التي يتقاطع فيها الحقيقي مع المتخيل مع الرمزي في حياكة ماهرة للأسواني

سكان القاهرة يعرفون عمارة يعقوبيان الحقيقية، فهي إحدى المعالم الشهيرة للعاصمة المصرية، بل وتعد ملمحا من ملامح هذه المدينة، كما أنها شاهدة على التحولات الاجتماعية والسياسية والحضارية التي عرفها البلد بشكل عام؛ أما تفاصيل القصة التي كتبها علاء الأسواني فهي ترصد التراجع الكبير الذي عاشته مصر على إمتداد عقود من الزمان وانكسار أحلام أبنائها. وقد اختار الكاتب أن تكون روايته بمثابة تحليل سوسيولوجي للتغييرات الاجتماعية التي عصفت بسكان القاهرة، وذلك من خلال تقديم نماذج اجتماعية معبرة عن فئات وطبقات .

 

 

طرح اللأسواني القضايا الإجتماعية الخانقة التي تعيشها بلاده، بدءا بالفقر والحيف الاجتماعي والانتهازية السياسية وقضايا الإعلام وصعود بعض الفئات بشكل صاروخي لتصبح من الأغنياء، مع رصد قضايا التهميش والإرهاب والعنف ضد المرأة بمختلف أشكاله والشذوذ الجنسي. وربما هذه الحمولة الكبيرة من القضايا هي التي صنعت صدقية هذا العمل والتصاقه بالناس والتحامه بمشاكلهم ومشاغلهم من خلال رصد تفاصيل معيشهم اليومي. وربما لأنها روايته الأولى، حمّلها علاء الأسواني كل ما يدور في خلده، ووثّق للأوضاع كما عاينها واقعيا وحوّلها في توليفة آسرة إلى رواية موغلة في الواقعية والبساطة دونما تكلّف أو فائض فلسفة.

 

Image associée

 

الفيلم الذي قدمه المخرج مروان حامد، في صيغة مروية تورد تاريخ عمارة يعقوبيان بصوت الفنان يحي الفخراني، ثم يبدأ الفيلم الذي يدور حول مجموعة من الشخصيات المتنافرة والمتناقضة أبرزها عادل إمام الذي يقوم بدور أحد أبناء الطبقة الأرستقراطية الذين عايشوا مجد هذه العمارة، والذي لازال يعيش على الأطلال، ويرفض قبول الأوضاع المتردية لذلك يغرق في معاقرة الخمر ومرافقة النساء، وغالبا ما يقع ضحية الاستغلال والتحيل حتى من قبل شقيقته الوحيدة.

وتماما مثله تعيش يسرا الأجنبية التي عاشقة مصر التي كانت نجمة قبل أن تنحسر الأضواء عنها، لتصبح مغنية في أماكن اللهو تردد أغاني إيديت بياف بنبرة نوستالجيا عاليا. هند صبري تقوم بدور الشابة الفقيرة المطحونة وسط ضجيج القاهرة. تبحث عن لقمة عيش بكرامة، فتتعرض إلى التحرش والإهانة في كل مرة، ويحاول الجميع استغلال ضعفها وهشاشتها الاجتماعية.

 

Image associée

 

باسم سمرة يقوم بدور الشاب القادم من الصعيد الذي يقتات أيضا من صخب القاهرة وتناقضاتها، قبل أن يقع ضحية النهم الجنسي لأحد سكان عمارة يعقوبيان. وهو الصحفي الشاذ الذي يقوم بدوره خالد الصاوي، ما يجعله يخسر ذاته وزوجته. محمد إمام هو ابن البواب الذي يجتهد في دراسته، ليصبح ضابطا باعتبار أن هذه المهنة تمثل مكانة اجتماعية مهمة يفتقدها هذا الشاب، ولكن أصوله المتواضعة تحول دون وصوله إلى أحلامه التي تنكسر على صخرة الواقع. وتعرف هذه الشخصية تحولات درامية حادة، عندما يتحوّل هذا الشاب إلى الغلو والتطرف العنيف، ثم يصبح إرهابيا يواجه المجتمع والدولة بقوة السلاح، لينتهي نهاية تراجيدية.

وفي سياق متصل يرصد الفيلم نموذج العصامي الذي جمع ثروة كبيرة وأصبح ذو مكانة اجتماعية، بفعل سلطة المال وهو الدور الذي أبدع فيه الفنان الراحل نور الشريف. رجل يبحث عن المتعة الجنسية مع سيدة بسيطة ومن أصول متواضعة تقوم بدورها سمية الخشاب، ويحرمها من ابنها، ويحكم عليها بأن تكون بمثابة الجارية تحت تصرفه، بعد أن تزوجها بعقد عرفي بل  يصل به الأمر حد إجهاضها بالعنف. وقدّم الفنان الراحل خالد صالح دور السياسي الانتهازي الذي يقتات من الرشوة واستغلال النفوذ.

 

Image associée

 

يحفل الفيلم بشخصيات أخرى، فقد قدّم التجار الجشعين وقدّم النموذج القبطي في بعض ملامح هذه الشخصية. من اللافت أن هذه الشخصيات لا تتحرك على الشاشة، بقدر ما تتحرك في الواقع المصري، فهي حية حتى النخاع وصادقة بشكل موجع. ولعل هذا ما جعل فيلم عمارة يعقوبيان يشكل عملا بارزا في سجل السينما العربية.

تم اقتباس نص الرواية لتحويله إلى مسلسل من إخراج أحمد صقر. وقام بأدوار البطولة فيه كل من صلاح السعدني، ولبنى عبد العزيز، و عزت أو عوف، وروجينا، وآسر ياسين، ونهال عنبر، وأحمد سعيد عبد الغني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.