ثقافةغير مصنف

فيلم “سعيد مثل لاتزارو Lazzaro Felice”.. إذا كنت نقيًّا، عليك أن تغادر هذا العالم

مهدي الغانمي-مجلة ميم

 

 

عنوان الفيلم: Lazzaro Felice (سعيد مثل لاتزارو)

إخراج: أليس رورفيتشير (Alice Rohrwacher)

تمثيل: أدريانو تارديليو (Adriano Tardiolo)، ألبا رورفيتشير (Alba Rohrwacher)، نيكوليتا براسكي (Nicoletta Braschi)، سيرجي لوبيز (Sergi López)، تومازو رانيو (Tommaso Ragno)

الإنتاج: سويسري/ إيطالي/ ألماني/ فرنسي

التتويجات: جائزة أحسن سيناريو في مهرجان كان السينمائي/ جائزة أحسن مخرج صاعد في مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي/ جوائز الفيلم الأوروبي للنقّاد ولأحسن مخرج ولأحسن ممثّلة (ألبا رورفيتشير) ولأحسن سيناريو/ جائزتيْ لجنة التحكيم الخاصّة والجمهور في مهرجان كاتالونيا السينمائي.

القصّة

في ضيعة لإنتاج التبغ، معزولة تمامًا زمنيًّا ومكانيًّا؛ يفصلها عن العالم جسر تهاوى بعد فيضانات حصلت منذ أمد بعيد، ويفصلها عن الزمن الحاضر أكثر من قرن من الزمان. هذه العزلة فرضتها على متساكني الضيعة، الماركيزة “دي لونا”، الّتي أوهمت مجموعة من المزارعين، بأنّها مالكة الأرض، وأنّهم يعملون لديها. هؤلاء المزارعون، لا وعي لهم بالعالم، أو بالتطوّر التكنولوجي والتغيّرات الّتي غزت إيطاليا. يعيشون في بداية الألفيّة، لكنّهم مازالوا في طور الإقطاع. يعملون من أجل رغيف يابس، وديونهم تتضاعف لحساب الماركيزة الّتي أتقنت حبك خيوط المؤامرة بإتقان، حتّى أنّ العملة كانوا لا يتخيّلون مجرّد عبور النهر الّذي يفصلهم عن الطريق إلى المدينة. فقد فُصلوا عن الواقع منذ زمن بعيد.

 

مشهد الحصاد في بداية الفيلم

 

وفي خضمّ “عمليّة التحيّل الأعظم عبر التاريخ”، حسب عناوين الصحف الإيطاليّة، بعد اكتشاف أمر الماركيزة دي لونا، يعيش لاتزارو أحد المزارعين، مجهول النسب. فتى طيّب جدّا ومثابر في عمله، لا يشكو من أيّ شيء، رغم حياته البائسة عكس المزارعين الّذين كانوا مُجبَرين على العمل لأنّهم لم يجدوا سبيلًا آخر، لكنّهم يبدون امتعاضًا دائمًا من ظروفهم الصعبة واستغلال الماركيزة لهم. وإذا كان هذا مدعاة للتعاطف والشفقة، فإنّ هذه المشاعر تزول بمجرّد ظهور لاتزارو في الصورة، حين يكتشف المشاهد أنّ هؤلاء المزارعين، مستغلِّون ومتحيّلون بدورهم، والفرق الوحيد بينهم وبين الماركيزة أنّهم لا يمتلكون القوّة والمعرفة الكافيين، ولا يمتلكون الأرض، لكنّهم يملكون مثل دي لونا، الرغبة في الهيمنة والاستغلال. فرغم عبوديّتهم كانوا يستعبدون لاتزارو، يستغلّون طيبة قلبه، لينفّذ أعمالًا كثيرة لا تنتهي، وهو يجابه كلّ هذا بابتسامة ملائكيّة وترحاب كبير.

 

لاتزارو وتانكريدي

 

أحوال المزارعين ستتبدّل، بعد اكتشاف الأمر من قبل السلطات الإيطاليّة ليتمّ ترحيلهم إلى المدينة. وسيتبدّل مصير لاتزارو بصفة منفردة وعجائبيّة: فقُبيْل هذه الحادثة بقليل، تنشأ صداقة بينه وبين تانكريدي، ابن الماركيزة الّذي يزور ضيعة “إنفيولاتا” للنقاهة والاستجمام. ويتسبّب هروب تانكريدي من الضيعة نتيجة انزعاجه من تصرّفات أمّه وشخصيّتها المتسلّطة، في اكتشاف أمرها. وخلال هذه الفترة، تنشأ صداقة مميّزة بينه وبين لاتزارو، الّذي يشعر تدريجيًّا بقيمة الاهتمام والصداقة، فهذا الإحساس ظلّ مجهولًا لديه منذ نشأته. وحدها أنتونيا كانت تعامله برفق وشفقة، لكنّها لم تكن صديقته المقرّبة.

ينقطع رابط الصداقة مع تانكريدي فجأة، خلال حادثة سرياليّة. يسقط لاتزارو من جرف شاهق، وحين يستفيق من غيبوبته، يجد أنفيولاتا مقفرة، ولا يجد تانكريدي. ستدفعه الصداقة، هذا الشعور بالامتنان والمودّة العظيمة تجاه صديقه، إلى رحلة بحث عنه خارج الضيعة، ليكتشف المدينة لأوّل مرّة. ويلتقي بالمزارعين واحدًا تلو الآخر، وقد تقدّم بهم العمر، وتبدّلت أحوالهم إلى الأسوأ؛ حيث أصبحوا يعيشون على الهامش، ولم يتحسّن وضعهم المادّي، لكن أخلاقهم ازدادت سوءًا، وتلوّثت أرواحهم، فأصبحوا متسوّلين ومحتالين وسارقين.

الفئات المسحوقة، عانت وستعاني من الاضطهاد والتهميش ذاته، ولكنّ المظاهر وحدها تختلف وتتطوّر، حسب تطوّر الحضارة الإنسانيّة. tإذا كان وضع لاتزارو، القدّيس ذو الابتسامة الملائكيّة، صعبًا في إنفيولاتا، كيف سيكون في المدينة، الأكثر توحّشًا وقسوة؟ النهاية مؤلمة، يمكن اختصارها في كوجيتو مفزع: “إذا ما كنت نقيًّا، عليك أن تغادر هذا العالم”، وإذا لم تفعل ذلك بمحض إرادتك، فسيلفظك عنوة، فما عليك إلّا أن تكون مستذئبًا في قطيع المستذئبين الّذين يحيطون بك.

 

الماركيزة دي لونا وابنها تانكريدي

مواطن القوّة في الفيلم فنّيًا

ما يمكن تثمينه في فيلم Lazzaro Felice، هو قوّة السيناريو وحبكة القصّة، فقد تمّ بناءه على مقابلة بين عالمين متناقضين مكانيًّا وثقافيًّا، لكن يحملان في داخلهما الهموم والقضايا نفسها. وما يجمع بينهما هو رحلة لاتزارو، الشخصيّة الفريدة، الّتي تتولّد الأحداث من رحم حركتها. فرغم أنّه يظهر كإنسان سلبيٍّ ومفعول به، إلّا أنّه من ناحية البناء القصصيّ، كان الفاعل الرئيس في تطوّر الأحداث وبلورة أطروحة الفيلم. كما مزج السيناريو بين رؤيتين مختلفتين في الفنّ مزجًا ممتعًا ومتناسقًا، مزج بين الواقعيّ المتماهي مع التوثيقي، وبين الفانتازي الساحر والسريالي في بعض المشاهد.

لا يجب إغفال الصورة، الّتي تمّ اختيارها بعناية، خاصّة في النصف الأوّل من الفيلم الّتي اختارت فيه المخرجة أن يتمّ التصوير بكاميرا 16 مم، لإعطاء ذلك الطابع النوستالجي لتجسيد الحياة الريفيّة، والغربة الزمنيّة للمزارعين. فجاءت الصورة باهتة الألوان نسبيًّا، معبّرة عن جذور القصّة الّتي تمتدّ إلى ماضٍ بعيد نسبيًّا.

 

لاتزارو في مشهد من مشاهد الفيلم

 

قوّة أداء الممثّل أدريانو تارديليو في تجسيد شخصيّة لاتزارو المعقّدة ملفتة. وهو يعتبر اختيارا موفقا من المخرجة لملامحة البريئة والطفوليّة، لكنّ هذا لم يكن كافيًا لولا جهده الكبير في تقمّص الشخصيّة، خاصّة في نظراته المحايدة وتعابير وجهه وحركات جسده؛ هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ هذا الدور هو الأوّل لأدريانو تارديليو في حياته الفنّية. لا يجب أن نغفل أيضا قوّة أداء الممثّلة ألبا رورفيتشير، شقيقة المخرجة أليس رورفيتشير، والّتي شاركتها في أفلامها السابقة. ومن مظاهر قوّة أدائها، تجسيدها شخصيّة أنتونيا في كهولتها، وهي شخصيّة مركّبة لامرأة محتالة، ذات شخصيّة قويّة قياديّة، قاسية لكن في ملامحها حنان غامض وعاطفة قويّة خفيّة، خاصّة تجاه لاتزارو.

أطروحة الفيلم

يقدّم فيلم Lazzaro Felice قصّة عجائبيّة، من خلال جمع ذكيّ ومخادع بين عالمين مختلفين، عبر شكلين متناقضين من أشكال التعبير السينمائي: عالم واقعيّ، تجلّى في تصوير الحياة الريفيّة بطريقة أقرب ما تكون إلى تقنية الفيلم الوثائقي (في النصف الأوّل من الفيلم، في قرية “إنفيولاتا”)؛ وعالم روائيّ مُتَخيَّل، امتزج فيه الغرائبيّ والسحريّ بالواقعيّ المحض (في النصف الثاني من الفيلم، في المدينة). وقد ألّفت كاتبة الفيلم ومخرجته أليس رورفيتشير بين هذين العالمين، بطريقة جدليّة خفيّة المعالم، حيث ولّدت من هذا الجدل أسئلة حارقة، لم يتمّ الإجابة عنها بطريقة مباشراتيّة، بل تركت حرّية التأويل للمتفرّج.

وكان الخيط الناظم بين هذين العالمين: طيبة لاتزارو وبراءته المحيّرة والغامضة (ليست طيبة ناسك درّب نفسه على الالتزام الأخلاقي، ولا طيبة طفل مازال لم تلوّثه قذارة العالم؛ فهي طيبة فطريّة محضة) في مواجهة عالم يستغلّ الطيبة باعتبارها غباءً، عالم هو عبارة عن سلسلة لامتناهية الحلقات، يستغلّ فيها الأقوى من هو أضعف منه ويستعبده. ويأتي لاتزارو كآخر حلقة فيها، هو إنسان يستغلّه الجميع، حتّى الضعفاء والعُجَّز، لكنّه يواجه كلّ هذا بقلب نقيّ، وطيبة هي أقرب إلى البلاهة.

إنّه النقاء في أكمل تمظهراته، يقف مشدوها أمام “ذئبيّة” الأفراد وتوحشّهم ومكرههم وهم يصارعون من أجل الحصول على مواقع أفضل داخل دائرة الصراع البشريّ من أجل البقاء. ولعلّ مشهد الذئب الّذي لم يفترس لاتزارو بعد سقوطه مغشيًّا عليه من جبل شاهق، لأنّه شعر بأنّ لاتزارو ذو قلب طيّب، دليل على أنّ الذئب الحقيقي هو الإنسان، هذا الّذي يستغلّ هذه الطيبة باعتبارها ضعفًا أو غباءً. وهذه الاستعارة التخييليّة في الفيلم، تكشف عن محاورة خفيّة بين الدينيّ والفلسفي والواقع العلمي المحض، فإذا كان الدين يطالبنا بأن نكون خيّرين كمطلب إنساني أقصى، وتطالبنا الفلسفة بأن نلتزم بفضيلة الحقّ والواجب، فإنّ العلم لا يفتأ يصارحنا بتلك الحقيقة الّتي نتغافل عنها: الإنسان يسكن في غريزته الحيوانيّة المحضة، وما الوعي إلّا خادم أمين لتحقيق حاجاته الغريزيّة الأولى: البقاء أوّلا والهيمنة ثانيًا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.