ثقافة

جورج نصر: عصفور الشرق الذي فقد أجنحته بعد 92 عاما

 

أعلنت وكالات الإعلام في بيروت، عن وفاة الأب الروحي للسينما اللبنانية، جورج نصر، عن سن تناهز 92 سنة، بعد مسيرة احترافية بارزة في تاريخ الفن السابع. وعكس نصر الخطوات التأسيسية للنهوض بالقطاع السينمائي في بلاده، رغم ضعف الإمكانيات وغياب الاستثمار في مرحلة الأربعينات والخمسينات.

 

تفقد لبنان أحد أهم رائدي الفن، وأحد مبدعيها المخلصين لها ولروح الشرق، رغم الإغراءات والإمكانيات الضخمة في أوروبا وأمريكا. فقد عاد نصر من بعيد، دون شروط ليبعث في بيروت الرغبة في تحقيق حلم طال انتظاره، لكنه لم يكن مستحيلا بالنسبة إليه.

ولد جورج نصر عام 1927، في مدينة طرابلس، أين أنهى  مراحل التعليم الابتدائي والثانوي وصولا إلى الباكالوريا. وانتقل نصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمزاولة تعليمه العالي في اختصاص الهندسة المعمارية. وتابع في تلك الفترة العديد من الأفلام لأبرز مخرجي العصر، وازداد شغفه بالسينما، حتى وجد أصدقاء يشاركونه نفس التوجه الفني، لينتقل من الهندسة المعمارية إلى الإخراج السينمائي.

 

 

درس أربع سنوات في جامعة كاليفورنيا، أين وحاز على الإجازة عام 1954، التي فتحت له أبواب التدريب في استوديوهات هوليوود، والاستوديوهات الفرنسية. ورغم الإمكانيات التي أتيحت له تقنيا وبشريا، عاد جورج نصر إلى لبنان، بهدف وضع حجر الأساس للسينما في لبنان، وصناعة جيل قادر على تقديم أعمال هامة.

وبعد سنة واحدة من عودته، أنتج نصر فيلمه الأول “إلى أين؟”، الذي  تناول قضايا المهاجرين اللبنانيين إلى أميركا والبرازيل، معاناتهم وانكساراتهم على طرق الهجرة. لاقى الفيلم نجاحا كبيرا، في لبنان وخارجها، بعد أن شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” الدولي عام 1957، أين تم تصنيفه في فئة أفضل الأفلام الاجنبية. وعكس الفيلم ولادة مخرج عالمي قادم من بعيد، خاض مغامرة هوليوود وعاد ليؤثّث سينما الشرق ويعزّزها قارّيا.

 

 

بعد 60 عاما، كرّم مهرجان “كان” السينمائي في دورته السبعين، المخرج اللبناني بعرض نسخة من الفيلم بعد ترميمها بمبادرة من “مؤسسة سينما لبنان”، ضمن تظاهرة “كان” للأفلام الكلاسيكية.  وقال نصر الذي حضر الاحتفالية آنذاك، إنه عندما أنجز الفيلم لم تكن في لبنان احترافية لا في التمثيل ولا في التقنيات وإنه استعان بحداد لصنع شريط معدني وضع عليه الكاميرا، وكذلك بنجار لصنع عربة آلة التصوير المتنقلة والألواح العاكسة للإضاءة، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

 

 

أخرج نصر فيلم “المطلوب رجل واحد” الذي تم تصويره في سوريا، وفي منطقة كسب على الحدود التركية. وأنتجت نقابة الفنانين السوريين العمل، الذي مثّل سوريا رسميا في مهرجان موسكو و قرطاج.

يحمل نصر الشخصية التي يتعامل معها، مسؤولية دورها، فهو لا يؤمن بأن الممثل قطعة طين بيد المخرج، بل هو ذات لها مميزاتها التي سيضيف عليها توجيهاته. تشبّع بالسينما، وتفاعل مع كل عناصرها واطلع على مختلف مدارسها، حتى صنع لنفسه مجدا كبيرا، لازمه في حياته وسيرافق اسمه بعد رحيله.

 

 

أنتج تلاميذه  فيلما وثائقيا تناول حياته السينمائية، كتكريم لأستاذهم، كما صدر كتاب يروي رحلة جورج نصر الإنسان والفنان. وعبر العديد من المبدعين اللبنانيين عن حزنهم بعد وفاته، مرددين أهم الأعمال التي أنتجها وقيمتها الفنيو والاجتماعية. ويبقى جورج نصر، علامة فارقة في تاريخ السينما العربية الذي عاد إلى الشرق في زمن الهجرة إلى الغرب.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.