مجتمعسياسةغير مصنف

“سرقتم إفريقيا”.. أوّل اتهام رسمي أوروبي لفرنسا وحرب كلامية مع إيطاليا

تغيرات دراماتيكية يشهدها العالم في السنوات الأخيرة، على خلفية الصعود القوي لتيارات اليمين الشعبوية. والمجال الأوروبي لم يكن بدوره بمنأى عن التغيرات التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها منذ وصول دونالد ترمب إلى السلطة.

 

في أوروبا، شكّل صعود اليمين إلى السلطة في إيطاليا معطى تغيرت بموجبه الكثير من التوازنات، لكن هذا لم يكن بارزا على السطح إلى حدود الأسابيع الأخيرة التي عرفت تداعيات كبيرة لحركة “السترات الصفراء” الفرنسية التي تنظم احتجاجات نهاية كل أسبوع، منذ منتصف شهر نوفمبر الفارط ضدّ السياسات الفرنسية الجديدة.

 

حركة “السترات الصفراء” فجرت أزمة ديبلوماسية بين فرنسا وإيطاليا، بعد مساندة علنية هي الأولى من نوعها لهذه الاحتجاجات صدرت عن مسؤوليين إيطاليين رسميين اعتبروها تحركا شعبيا مشروعا، ضد السياسات الفرنسية في السنوات الأخيرة. موقف إيطالي ردّ عليه الجانب الفرنسي بقوّة لتتصاعد وتيرة حرب كلامية بين مسؤولي البلدين.

 

من السترات الصفراء إلى سرقة إفريقيا

بداية الأزمة الديبلوماسية الفرنسية الإيطالية، كانت تغريدة لنائب رئيس الوزراء الإيطالي أعلن من خلالها مساندته لتحرّكات السترات الصفراء. تغريدة اعتبرتها فرنسا تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية الفرنسية، غير أن المسؤولين الإيطاليين ردوا بقوّة مذكّرين بإصدار فرنسا موقفا من وصول الأحزاب اليمينية إلى السلطة في الانتخابات الإيطالية الأخيرة.

 

السترات الصفراء والموقف من الاحتجاجات تحول إلى عنوان صغير لا معنى له، وسط الحرب الكلامية الفرنسية الإيطالية، بعد تفجر صراع كان يدور سرا لسنوات بين البلدين إلى العلن؛ صراع حول ليبيا ومصالح متضاربة لكلا الطرفين الذين يعمل كل منهما على إفشال مبادرة الوساطة التي يقودها الطرف المقابل بين الأطراف الليبية.

نائب رئيس الوزراء الإيطالي، لويجي دي مايو، دعا الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على باريس بسبب سياساتها تجاه أفريقيا وقال إن فرنسا “لم تتوقف عن ممارساتها الاستعمارية في عشرات الدول الأفريقية”.

و قال دي مايو إن “الاتحاد الأوروبي ينبغي عليه فرض عقوبات على فرنسا وجميع الدول التي تحاكيها في إفقار أفريقيا وحمل الأفارقة على مغادرتها لأن الأفارقة ينبغي أن يكونوا في أفريقيا، لا في قاع البحر المتوسط”، وتابع: “إذا اضطر الناس إلى المغادرة اليوم، فذلك لأن دول أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا لم تتوقف عن استعمار عشرات الدول الأفريقية”. وأشار إلى أنه لولا دول أفريقيا لكان الاقتصاد الفرنسي في المركز الخامس عشر بين اقتصادات العالم، لا بين أكبر ستة اقتصادات في العالم.

الخارجية الفرنسية استدعت السفيرة الإيطالية لدى باريس، تيريزا كاستالدو، بداية الأسبوع. ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية تصريحات دي مايو بأنها “عدائية وصدرت من دون سبب نظرا للشراكة بين فرنسا وإيطاليا في الاتحاد الأوروبي”، غير أن دي مايو واصل في تصريحه قائلا “فرنسا هي واحدة من تلك الدول التي تطبع أموالا لصالح 14 دولة أفريقية، ما يحول دون التنمية الاقتصادية في هذه الدول، وتسهم في تكريس الحقيقة التي تتضمن مغادرة اللاجئين لبلادهم ليلقوا مصيرا إما إلى الموت أو الوصول إلى الساحل المقابل”.

 

مأزق فرنسا

في السنوات الأخيرة، تعاني فرنسا من انهيار حاد لقيم الجمهورية في الداخل، ومن تآكل متتال لنفوذها في الخارج داخل منظومة الاتحاد الأوروبي وخارجه، ناهيك عن أزمتها الاقتصادية المتفاقمة. وقد تكون الاحتجاجات الأخيرة المتفجرة في البلاد دليلا آخر على انهيار وهم الإمبراطورية الذي تعيش فرنسا مقتفية أثر الدفاع عن أمجاده.

 

لأوّل مرّة وبشكل رسمي يتم اتهام فرنسا أوروبيا بسرقة إفريقيا، غير أن التهمة ليست جديدة فجرائم الاستعمار الفرنسي الكثيرة -وإن لم تعترف بها باريس- مازالت تلاحقها إلى الآن في أكثر من دولة، واصلت فيها السلطات الفرنسية ممارسة نفوذها وهيمنتها بأشكال مختلفة، ليس أقلها دعم الدكتاتوريات والنظم المستبدّة إلى جانب رعاية انقلابات عسكرية على السلطة من أجل الدفاع عن مصالحها.

 

قبل سنوات قليلة، ظهرت إلى السطح فضيحة “فرانس أفريك” التي كانت غطاء للهيمنة الفرنسية السياسية والأمنية والاقتصادية على نحو 14 دولة إفريقية. وكشفت فضائح وفضائع مروعة مارستها فرنسا رغم مغادرتها أرض مستعمراتها القديمة بشكل رسمي، غير أنها اليوم في مأزق أكبر مع تسجيل اعترافات جديدة لصالح الضحايا تؤكّد ما كان يلاحق فرنسا من تهم طيلة عقود.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.