ثقافة

الشاعر الفلسطيني معين بسيسو: بين الالتزام الثوري والإبداع الشعري

في ذكرى وفاته

 

 

هو شاعر وكاتب مسرحيّ ومناضل سياسي فلسطيني، شغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي في قطاع غزة، فأثرى الساحة الثقافية والسياسية الفلسطينية بأدبه وشعره وأعماله المسرحية، التي تتنزل ضمن المقاومة الثقافية للاحتلال الاسرائيلي.

 

 

ولد معين بسيسو (1926-1984) في غزة ، المدينة المحاصرة، أين تشبع بنزعته الثورية، التي أثرت في توجهه خلال مسيرته الطويلة، وجال بعدها العديد من العواصم العربية مثل بيروت والقاهرة وتونس. وهو على غرار أبناء جيله من الشعراء الفلسطينيين كـ”محمود درويش” و”سميح قاسم”، صادق في عباراته، صارم في قصائده، وملتزم بقضيته في نثره وشعره.

بداياته مع الشعر عميقة مثل نهايته التي لن تموت، وهي روح خالصة من عمق الواقع وانتصار على العدو. والقصيدة الشعرية بالنسبة إليه أصعب من الغوص في البحر وهو وليد مدينة أنعم الله عليها بالشاطئ لتكافح به ومنه ظلم الحصار. على شرفات غزة غاص بسيسو في عمق الحبر وركب الخطر، فالسباحة في الحبر أكثر خطرا على الشاعر من السباحة في البحر، لأنها تحتاج رؤية إبداعية وليس قوة عضلية فقط.

 

 

بسيسو شاعر ابن بيئته ومتمثّل لطبيعته ومعايش لأحداثها وتقلباتها، فكلما اشتدّت الأزمة تصاعد الخطاب، وكلما سكن الشعب أصدر قصيدة تحريضية جديدة. يشبّه بسيسو الشاعر “بمتسلق الجبال الذي يصعد ثم يسقط ويعاود الصعود، حتى يصل إلى القمة التي بعدها لن يكون هناك راحة أو استقرار”، وكأن قدره أن يبقى في حالة صعود مستمر.

يقول أحد النقاد: “إن الشاعر بسيسو في رحلة التيه الفلسطيني. لم يكلّ يوما وظلت غزة الفلسطينية في دمه حيثما حل، فقليلة هي المناسبات التي لم يشهد عليها معين محرضا بالغاً في تحريضه حد الاشتباك العلني مع العدو أيا كانت هويته أو موقعه، حتى في لحظات يأسه “.

معين بسيسو ومخاض البدايات

خاض معين بسيسو حربه الشعرية ضدّ عدو لا يملك حضارة وثقافة، يحاول بهمجيّته السيطرة على الأرض وبناء حاضر له. وتأثر بالقصيدة الفلسطينية الأولى التي كتبها كل شاعر فلسطيني سبقه إلى النضال. درس المرحلة الابتدائية والثانوية في غزة حتى عام 1948، تاريخ التحاقه بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية في القاهرة. نجح في اجتياز المرحلة عام 1952، لينتقل إلى الانخراط في العمل السياسي إلى جانب مهمته في الصحافة والتدريس.

 

 

وخلال هذه التقاطعات بين العلم والعمل، كان الشعر في حياته هاجسا ينهل من حبره، فأصدر في بداية الخمسينات ديوانه الأول: “المعركة”. عكست هذه القصيدة، جانب التجديد في الشعر الحديث والنضج الأدبي لبسيسو، فكانت شعار العديد من المقاومين وعلى رأسهم ياسر عرفات، الذي كان يرددها.

أنا إن سقطْتُ فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاحْ

واحمل سلاحي لا يخفكَ دمي يسـيل مـن السلاحْ

 

يمثل معين بسيسو، وفق انتصار خليل الشنطي، نموذجا للشاعر الملتزم بآمال وآلام شعبه، الذي يقول إنّ كل من يتصدى للكتابة فهو ملتزم يالشىء الذى يكتب له أو عنه. وتابعت في كتابها “القضايا الفكرية والتقنيات في مسرح معين بسيسو” قولها: “لذلك يمكننا القول بأن أدب معين بسيسو هو أدب ثوريّ والأدب الثوريّ هو الذى يسعى لتحقيق التغيير الجذري فى المجتمع”.

 

 

عرف بسيسو العديد من الانتقادات، بسبب توجهه الشيوعي، حيث لم يحظ بلقب “شاعر المقاومة” وفق الناقد عز الدين مناصرة لهذا السبب. 

كما اعتقل في السجون المصرية في فترتين، الأولى من 1955 إلى 1957 والثانية من 1959 إلى 1963. وكتب بسيسو في هذا الصدد أحد أعماله النثرية في أدب السجون “دفاتر فلسطينية”، التي روى فيها تجربته الاعتقالية في السجون المصرية وما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون فيها.

ومن الكتابة الشعرية إلى الكتابة المسرحية والنثرية، ظل بسيسو وفيّا لذاته، لقلمه، ولقرائه، فعانق الإبداع بمسرحية “مأساة جيفارة” و”ثورة الزنج”، “شمشون ودليلة” وغيرها من النماذج التي سخرت من الواقع وعرته.

 

 

لبنان: الجرح الفلسطيني

بقدر ما مثلت لبنان ساحة مقاومة ثقافية عربية، كانت ساحة حرب مفتوحة وإبادة للأقلام الحرة والمؤثرة في الجماهير، القادرة على صناعة الرأي العام وتوجيهه في خدمة قضايا التحرر وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

 

اجتمع معين بسيسو في بيروت برواد الفكر والأدب والسياسة والمقاومة، حتى اغتالت  المخابرات الاسرائيلية عام 1973، أصدقاءه: كمال ناصر ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان، وشقّت بذلك عمقه الثوري فزادته قوة وحماسة. وفي عام 1982، بدأ كتابة مؤلّفه الشهير “88 يوما خلف متاريس بيروت”، كشهادة شاعر فلسطيني عاش الحصار الأميركي الإسرائيلي في بيروت، التي اعتبرها “حرب إبادة مهندسة ضد الفلسطينيين والوطنيين اللبنانيين”. ووجّه فيه رسائل إلى القادة العرب الذين اجتمعوا في تونس خلال القمة العربية عام 1979، قائلا “أتمنى أن أكون في تونس.. لكي أضع في جناح كل وزير للخارجية، رأس طفل لبنانيّ فلسطينيّ محترق.. عيونا فلسطينية لبنانية مسلوقة في الزبد والعسل..”

 

 

مثّل بسيسو بشعره، والتزامه الفلسطيني العربي، أحد عمالقة الشعر العربي، الذي يعتبر القلم جزءا أساسية في رحلة النضال إلى جانب السيف وهو الذي نقد الصمت في قصيدته الشهيرة:

“الصمت موت
قلها ومتْ
فالقول ليس ما يقوله السلطان والأمير
وليس تلك الضحكة التي يبيعها المهرج الكبير للمهرج الصغير
فأنت إن نطقت متْ
وأنت إن سكت مت، قلها ومت”

 

استمدّ بسيسو طاقته الشعرية والمسرحية والنثرية، من منجمين عميقين ثريين، على حد عبارة الشاعر سميح قاسم، هما: “منجم الالتزام الثوري ومنجم الإبداع الشعري”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.