مدونات

الجريمة النكراء

This post has already been read 11 times!

 

ما يحصلُ اليوم في معاهدنا ومدارسنا الإعدادية يرتقي لأن يكون فعلا وواقعا جريمة نكراء في حق مئات الآلاف من أبنائنا وبناتنا، الذين باتوا يعيشون حالة من التيه والضياع. تتسارعُ الأيام والأسابيع والأشهر، ولا حلّ في الأفق يُنهي هذه المأساة التي أصبحت تزدادُ خطورة مع تهديدٍ حقيقيّ بات يستهدف السنة الدراسية الحالية.

شيء من الخبل الذهني أقرب إلى الجنون، أصاب طرفي الأزمة، أي وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي، والأخطر من ذلك حالة اللامبالاة وغياب المسؤوليّة التي تُجابه بها النخبة عموما هذا المأزق، فلا رئاستي الجمهورية والحكومة تحرّكتا ولا مجلس النواب بادر ولا المركزيّة النقابيّة تدخّلت ولا الأحزاب سعت إلى الضغط من أجل توفير أرضيّة سليمة للتفاوض وإنهاء الواقع المرّ الذي يُؤرّق الآلاف من الأسر والعائلات.

التلميذ تحوّل إلى رهينة في صراع مفتوح بين الوزارة والنقابة، ولا شيء مُطلقا يُبرّر هذا الوضع، فما يحصل ليس سوى وضع الناشئة تحت ضغط الفراغ والإحساس بالتهميش واليأس والاحباط وغلق الآفاق أمامهم

“لوثة مرضيّة” أصابت العقل التفاوضي لدى الوزارة والنقابة معا وفي آن واحد. وهذه اللوثة أوشكت أن تتحوَّل إلى نوع من السرطانات الخبيثة التي تنخرُ المنظومة التربويّة نخرا، وتهدّ هدّا ما بقي فيها من قيم أصيلة في تقديس العلم والمعرفة. فمسؤولو نقابة الثانوي في حالة ابتهاج بما آل إليه الوضع، بل إنّ كاتبها العام منتشٍ مفتخرٌ بمظاهر الاحتجاج التلمذي المتصاعد، والذي بلغ مقاطعة الدروس والإضراب المفتوح عنها في الكثير من المعاهد والمدارس الإعداديّة. ووزير التربية غائبٌ بشكل يُثير الكثير من الرّيبة والحيرة، وكأنّ تدهور الوضع لا يعنيه، في حين أنّه المسؤول الأوّل عن استمراريّة المرفق التربوي ومدعوّ، أوّلا وأخيرا، إلى تحريك المياه الراكدة والحرص الشديد لإيجاد الحلول الكفيلة بإنهاء الأزمة، وإن كان عاجزا عن ذلك، فمن باب المسؤوليّة الوطنيّة، والأخلاق أيضا وهو مشهود له بهما، ترك مكانه.

مسؤولو نقابة الثانوي في حالة ابتهاج بما آل إليه الوضع، بل إنّ كاتبها العام منتشٍ مفتخرٌ بمظاهر الاحتجاج التلمذي المتصاعد، والذي بلغ مقاطعة الدروس والإضراب المفتوح عنها في الكثير من المعاهد والمدارس الإعداديّة

منطق الصدام والمواجهة لن يُجدي نفعا بل سيزيد الأزمة تعفّنا، ومنهج كسر العظام ولي الأذرع الذي يُمارسه طرفا النزاع سلوك عبثي، فيه الكثير من الصبيانيّة والشخصنة والعناد المتبادل، لن يُحقّق النصر لأيّ منهما. التلميذ تحوّل إلى رهينة في صراع مفتوح بين الوزارة والنقابة، ولا شيء مُطلقا يُبرّر هذا الوضع، فما يحصل ليس سوى وضع الناشئة تحت ضغط الفراغ والإحساس بالتهميش واليأس والاحباط وغلق الآفاق أمامهم وبالتالي خفض منسوب الأمل والتفاؤل بالمستقبل لديهم.

بالأمس، وفي مشهد معبّر عن حقيقة المأزق الحالي، مليء بالدلالات عن وعي الناشئة بقيمة التعليم والتعلُّم وتمسّكهم بمسالك المعرفة، توقّف التلاميذ عن الدراسة كرها وغصبا عنهم، وتجمّعوا في ساحات الكثير من المعاهد والاعداديات وكتبوا بمحافظهم على البلاط stop. نعم، “قف” لهذه المهزلة، أولادنا خط أحمر، أوقفوا هذه الجريمة النكراء.

الوسوم

خالد الحداد

كاتب ومحلل سياسي تونسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.