اختيار المحررينثقافة

في ذكرى رحيلها الرابعة: فاتن حمامة.. مشوار الفن والحياة

خديجة بن صالح-مجلة ميم

هي السيدة أو ” الليدي ” صاحبة الجمال الناعم الذي ينفذ إلى شغاف القلب، دونما مبالغة. وهي ذات الإطلالة البريئة التي تجعل المشاهد يحيك قصة حب معها منذ المشهد الأول. وهي الأنيقة التي كانت إحدى أبرز أيقونات الموضة في عصرها دونما إثارة.

هي التي ولجت السينما وهي لاتزال ترسم الخطوط الأولى للحياة، ثم باتت مراهقة، فبرعت في أدوار البراءة والخفر، قبل أن تصبح شابة، فتبرع في أدوار تعالج قضايا بنات عصرها حتى باتت قدوة لهن. ثم نضجت وأصبحت تعبّر بمنتهى الجرأة عن معاناة المرأة في العالم العربي، فأجادت دور الأم التي تكابد الحياة من أجل أبنائها، ودور المطلقة التي تواجه الهيمنة الذكورية وحيف المجتمع والقانون أحيانا. فلونت أدوارها وفق ما تقتضيه السياقات التاريخية والتحولات الاجتماعية، وطبعا وفق مقتضيات سنها. وبعد غياب، أطلّت على الشاشة الصغيرة في سن متقدمة بعض الشيء، لتبرز في دور اكتمال النضج للسيدة التي تقدم عصارة خبرتها وتجربتها الحياتية بكل حمولتها من حكمة وتبصر في أدوار ستظل خالدة.

 

عندما تحظى أجمل طفلة بيوم سعيد

دشنت فاتن حمامة المولودة يوم 27 مايو عام 1931 مسيرتها الفنية بفيلم “يوم سعيد”، وبدا شغفها بسحر السينما مبكرا، وذلك عندما رافقها والدها الموظف بوزارة التعليم لمشاهدة فيلم سينمائي من بطولة آسيا داغر. ثم تدعم شغفها بهذا العالم المكتنز بالدهشة، عندما فازت بلقب أجمل طفلة في مصر فقذ أرسل  والدها صورة لها للمخرج الشهير محمد كريم الذي كان يبحث عن طفلة تقوم بدور في فيلم ” يوم سعيد”.

وكانت البداية مبشرة حقا، وإيذانا بولادة موهبة فذة ستطبع عالم السينما في مصر والعالم العربي طوال القرن العشرين. ثم توالت الأدوار، فقدمت عام 1944 فيلم “رصاصة في القلب” مع نفس المخرج، ومع الموسيقار الخالد عبد الوهاب أيضا، ثم قدمت فيلم “دنيا والمليونير الصغير” قبل أن تتفطّن لها عين عميد المسرح العربي يوسف وهبي الذي أدرك بخبرته موهبة هذه الطفلة التي تخطو بثبات نحو المراهقة ونحو النجومية أيضا.

 

Image associée

 

 

 

“ملاك الرحمة” والخطوات الأولى على عتبات النجومية

قدم يوسف وهبي فاتن حمامة في فيلم “ملاك الرحمة”، وكان عمرها حوالي 15 عاما. وفي هذه الفترة، ولجت مرحلة جديدة من عمرها الشخصي والفني. ولأول مرة تتم توظيف موهبتها في مجال الميلودراما التي عُرف بها وهبي والتي كانت رائجة في تلك المرحلة التاريخية.

 

 

ومن خلال هذه الفيلم حققت نجاحا لافتا، كما جذبت انتباه النقاد، قبل مشاركتها في فيلم “كرسي الاعتراف” مع يوسف وهبي، لتكرّس موهبتها تدريجيا وحضورها على الشاشة الفضية في أدوار الفتاة الناعمة البريئة. وفي الفترة نفسها، ونعني أواخر الأربعينات، قدّمت فاتن حمامة أفلام “اليتيمتين” ثم” ست البيت” و”العقاب ” و”الملاك الأبيض” و”كانت ملاكا” و”المليونيرة الصغيرة” وغيرها.

ولعل ما يجدر الوقوف عنده هو أن الفنانة الشهيرة لم تركن كثيرا إلى موهبتها فحسب بل دعمتها بالدراسة وصقلتها بالعلم من خلال توجهها إلى التعلم في المعهد العالي للتمثيل لاكتساب مهارات أكبر، وهو ما اتضح في أدائها وتطوّر حضورها أمام الكاميرا.

 

 

مرحلة الخمسينات وبداية الواقعية

كانت مرحلة الخمسينات فترة التحولات العميقة سياسيا واجتماعيا وحضاريا في المنطقة العربية. وكان من الطبيعي أن ينتبه صناع السينما لخصائص العصر الجديد، فبرزت وجوه سينمائية جديدة، ومخرجون جدد راهنوا على السينما الواقعية بكل حمولتها الفنية والفكرية من أجل الالتصاق بالإنسان العربي ومعانقة أحلامه.

 

 

ومن الطبيعي أن تكون النجمة الشابة التي تأكدت موهبتها في قلب هذه التحولات وأن تكون إحدى نجمات هذه المرحلة بإمتياز. فقد شاركت فاتن حمامة في فيلم “بابا أمين” باكورة المدونة السينمائية ليوسف شاهين، كما كانت بطلة أحد أول وأهم الأفلام الواقعية في السينما المصرية لصاحبه المخرج صلاح أبو سيف ونعني فيلم “لك يوم يا ظالم”.

وقدمت في هذه الفترة أفلام شهيرة على غرار “عبيد المال” ثم “الطريق الممنوع” و”الله معنا”. ومن الأعمال المهمة التي قدمتها في هذه الفترة، نذكر أيضا “ظلموني الناس” و”أخلاق للبيع” و”ابن الحلال” و”أنا الماضي” و”الزهور الفاتنة” و”سلوا قلبي” و”ابن النيل”. وعرفت بثراء وغزارة أعمالها في فترة الخمسينات.

 

Image associée

 

“موعد مع الحياة” أو عندما تصبح فاتن سيدة الشاشة العربية

في هذه المرحلة، قدمت فيلم “موعد مع الحياة” من إخراج زوجها الأول عز الدين ذو الفقار وبرعت فيه. وكان هذا الفيلم الذي اشتركت في بطولته مع شادية وشكري سرحان وحسين رياض بمثابة المرحلة المفصلية في حياتها الفنية. فبفضله، منحها النقاد لقب سيدة الشاشة العربية الذي سيرافقها حتى آخر لحظة من حياتها، وبفضله أيضا حققت نجاحا كاسحا وغير مسبوق وتبوأت مكانة مركزية في السينما العربية لم تسبقها لها نجمة.

وكان من الطبيعي أن تكون النجمة الأثيرة لدى عديد المخرجين على اختلاف مشاربهم وتوجّهاتهم الفنية، فلم تكتف بصلاح أبو سيف ويوسف شاهين أو زوجها المخرج عز الدين ذو الفقار، بل وقفت أمام كاميرا عديد المخرجين الآخرين على غرار هنري بركات الذي قدمها في “ارحم دموعي” و”موعد غرام” الذي وقفت فيه أمام العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، و”حتى نلتقي” ومعه قدمت رائعة “دعاء الكروان” لعميد الأدب العربي طه حسين والذي يعتبر من أهم الأفلام في تاريخ السينما. ومع المخرج الكبير  كمال الشيخ قدمت أفلام “سيدة القصر” و”أرض السلام” و”حب ودموع”.

ولأن إحسان عبد القدوس كان أبرز الروائيين الذين تحولت أعمالهم إلى السينما، فقد برعت فاتن حمامة في تقديم بعض أعماله من أبرزها “الطريق المسدود” و”لا أنام” أمام كاميرا صلاح أبو سيف. ومع حلمي حليم قدمت فيلمها الثاني مع العندليب “أيامنا الحلوة” ثم “القلب له أحكام”، كما أن زواجها المبكر من المخرج عز الدين ذو الفقار منحها فرصة البطولة في أفلام متميزة قدمها على غرار “بين الأطلال” و”طريق الأمل”.

فاتن وعمر.. سر الحب الذي بدأ بقبلة وفشلت هوليود في اغتياله

وعندما توفيت فاتن حمامة يوم 17 جانفي يناير عام 2015، قال عمر الشريف: “رحيل فاتن قضى علي، وأعتبر نفسي في المرحلة الأخيرة من عمري.” قال هذا قبل أن يستسلم للزهايمر وينسى كل شيء؛ مجده وأفلامه وابنه طارق وكل تفاصيل حياته، وحدها فاتن حمامة هزمت النسيان وظل يذكرها ويسأل الأطباء إن كانت جاءت لزيارته. هذا مختصر قصة الحب الخالدة. وهي إحدى أهم قصص العشق في تاريخ السينما العربية بين نجمين، ولكن كيف بدأت؟

عندما سئل النجم العالمي عمر الشريف الذي عاش مع أجمل جميلات العالم، ورافق أشهر النساء وأكثرهن فتنة، قال إنه يتمنى لو أنه لم ينفصل عن حب عمره فاتن حمامة. وعبّر عن ندمه لأنه طلّق واعترف أنه لم يعشق غيرها.

 

 

كانت فاتن حمامة تقف أمام كاميرا يوسف شاهين في فيلم “صراع في الوادي” مرفوقة بالنجم الشاب وقتها عمر الشريف. حينها كانت فاتن متزوجة من المخرج عز الدين ذو الفقار والد ابنتها نادية، وكانت تمتنع طوال حياتها عن تقبيل أي بطل أمامها. ولكن في هذا الفيلم، ووفق أحداثه، ثمة مشهد تقبّل فيه عمر الشريف. ولم يكن يدر بخلد أحد، أنّ فاتن ستقبل هذا المشهد، وهو ما كانت ترفضه طوال حياتها.

 

كانت هذه اللقطة إيذانا بتحول عميق وعاصف في حياتها. فقد طلقها زوجها بمجرد معرفته بذلك، فقد أدرك بخبرته أن النجم الشاب خطف قلبها. ولم يكن مجانبا للصواب، فقد جمع الحب بين قلبي عمر وفاتن في هذا الفيلم. ولم تنته مشاهد التصوير إلا وقد اعترفا لبعضيها بهذا الحب، وتواعدا على الزواج. وهو ما تم عام 1955، بعد أن أعلن عمر إسلامه وتخلى عنة ديانته المسيحية.

 

Résultat de recherche d'images pour "‫فيلمعمر الشريف فاتن حمامة‬‎"

 

 

كان طارق ثمرة هذا الحب والزواج بين النجمين فاتن وعمر، كما أثمر هذا الإرتباط عديد الأعمال الفنية من بينها ‘نهر الحب’ و’صراع في الميناء’. وبدأت الغيرة تدب في نفس عمر الشريف من كل من يقترب من حبيبته، حتى أنه غار من صديق عمره أحمد رمزي. وفي الأثناء، حدث أمر غير حياة الفنان الوسيم الذي نادته العالمي. بعد فيلم ‘لورانس العرب’ الذي قدمه في بداية الستينات، اضطر للإقامة في هوليوود. ولم تستطع فاتن حمامة الإقامة معه باعتبار ما يربطها بالقاهرة من أعمال فنية وارتباطات أسرية. وكان على كليهما الاختيار المر بين الحب أو النجاح الفني، ولم يستطع عمر رغم انفصاله عن حبيبته تطليقها إلا بعد أن طلبت منه ذلك، لتتزوج لاحقا من الدكتور محمد عبد الوهاب الذي ظلت معها حتى رحيلها الأخير.

 

فاتن حمامة وابنها

 

الستينات والسبعينات وتغيير الأدوار تماشيا مع السن والقضايا الاجتماعية

بعيدا عن الحب والزواج، كانت مرحلة الستينات  مرحلة لافتة في حياة سيدة الشاشة العربية التي غيرت كثيرا من أدوارها وتأقلمت مع كل مراحل عمرها. ففي هذه المرحلة، قدمت فيلم “لا وقت للحب” ثم رائعة يوسف إدريس “الحرام” و”لا تطفىء الشمس” لإحسان عبد القدوس، وكذلك” شيء في حياتي” و”لن أعترف” و”المعجزة”.

 

وشكلت مرحلة السبعينات تواصلا لنجاحها الساحق مع تدرج نحو الجرأة في القضايا المطروحة، وفي تجاوز صورة المرأة الشابة الجميلة المعشوقة إلى دور الأم. وهو ما كانت ترفضه عديد النجمات من أبناء جيلها. وكان هذا التحول سلسل متسقا مع تقدمها في العمر. فقدمت “إمبراطورية ميم” مع أحمد مظهر، وطرحت صراع القلب والعقل عندما توضع المرأة في اختيار بين أبنائها وحياتها الخاصة ثم “لا عزاء للسيدات” و”أريد حلا” الذي بفضله تغير قوانين الأحوال الشخصية في مصر، إلى  جانب أفلام “الخيط الرفيع” و”أفواه وأرانب”.

 

 

نهاية المشوار الفني والرحيل الأخير

مع بداية الثمانينات، قلت أعمال سيدة الشاشة العربية بشكل ملحوظ، خاصة مع بروز التلفزيون وتراجع الإنتاج السينمائي كما ونوعا. فاقتصرت على تقديم فيلم “ليلة القبض على فاطمة” و”يوم حلو يوم مر”. وختمت مسيرتها على الشاشة الفضية بفيلم لداوود عبد السيد أوائل التسعينات هو “أرض الأحلام”.

أدركت سيدة الشاشة العربية التي عرفت بذكائها الوقاد أهمية التلفزيون، واختارت أن تسجل حضورها في المسلسلات. فكان موعد جمهورها مع دراما “ضمير أبلة حكمت” الذي يعد من أهم المسلسلات العربية التي قدمت في عام 1991، وحققت بفضله نجاحا كاسحا مع المخرجة أنعام محمد علي والكاتب أسامة أنور عكاشة قبل أن تتوّج مسيرتها الفنية عام 2000 بمسلسل “وجه القمر”.

 

 

منذ ذلك التاريخ، نأت سيدة الشاشة العربية عن الظهور الفني والإعلامي. وابتعدت نهائيا عن الأضواء، واكتفت بحصادها الفني الذي بلغ حوالي 94 عملا سينمائيا من أهم ما أنتج وقدم في تاريخ الشاشة الفضية. وفي سجلها عديد التتويجات من بينها حصولها على لقب أفضل  ممثلة لسنوات عديدة، وحصولها على الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة وببيروت، وجائزة المرأة العربية، وأوسمة، وجوائز فخرية بالمغرب ولبنان. أضف إلى ذلك، عضوية لجان التحكيم في عديد المهرجانات الكبرى مثل مهرجان كان وموسكو والبندقية والقاهرة والمغرب وإيران وجاكرتا.

رحلت سيدة الشاشة العربية بصمت، ذات شتاء، منذ أربعة سنوات، ويحي عشاقها، وعموم محبي السينما في مثل هذه الفترة من كل سنة ذكراها العطرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.