ثقافة

كافكا وميلينا.. قصة حب مميزة نهايتها محزنة

بقلم: نورهان راضي

في ظن كافكا: “المرء على أية حال لا يثرثر إلا عندما يشعر مرة بشيء من السعادة”. وهكذا كانت رسائله للأديبة التشيكية، ثرثرة تلو الأخرى. يتلهفان لإرسال المظاريف الجادة الفلسفية، القلقة كعادتها، المؤرقة كشأنه، و الخجلة المتوردة كقلبيهما بين العشق والكتابة والموسيقى والفن والمرض!

 

من كافكا إلى ميلينا: “أنا الآن في انتظار أحد أمرين، إما أن تواصلي الصمت الذي سيكون معناه لا تخشَ عليّ، أنا في خير حال أو بالأحرى بضع سطور قلائل”. كان كافكا يوبّخ ميلينا حين تتأخّر في الرد على رسائله أو تقابل سطوره بالصمت بأن يقول: “عليكِ أن تكوني أكثر مسؤولية.” عتابات الكُتاب لبعضهم رقيقة جدًا وتكاد تحث الابتسام.

الأجمل من ذلك، أنهما كثنائي يتناقشان كثيرًا ويتفقان ألا يتفقا، لكنهما يتقنان امتصاص غضب بعضهما. فإذا شدّ أحدهما، لان الآخر، و هكذا دواليك. يدخل على المثقفين المتفاهمين سوء تفاهم مبين، وهو صحي. صحي جدا، ويثري الفكر ويوطّد الصلات. فيوضّح لها أن: “كلّ منا يخطئ -بسبب الخوف- فَهم الآخر”.وفرانز كافكا هو الرجل الوحيد الذي رأيته يقول لامرأة أنه تلميذها. وفي رسائل أخرى، يلقّبها بمدرسته، وهو الذي يكبرها بأربعة عشر عامًا على حد قوله.

فار من الزواج مغرم بامرأة متزوجة

كانت ميلينا في الثالثة والعشرين من العمر حين بدأت علاقتها الزوجية تنهار، وهو ما أدى للانفصال التام. كما فسخ كافكا خطوبته من فليسيه باور التي ترجاها الليالي لمدة خمس سنوات كي تقبل به. ففي رسالة لفيليس باور قال: “أنتِ دائما عند نقطة الزوال تماما، وأنا عند نقطة إنهاك نفسي بنفسي”. كان يضغط عليها بحبه، كما تضغط المطرقة على مسمار نحيل فيتقوس و ينثني تمامًا. فرضخت له رغم ما يراودها من شكوك حياله. فهي لا تشعر بالدفء تجاهه، وهما يجلسان على ذات الأريكة. كيف لها ذلك، وهو الذي فسخ خطوبته مرتين قبل الزفاف بأيام قلائل وبها يُتمّ الثالثة.

أرسلت له برقية للقاء، لكنّه لم يحضر. وفضّل أن يخاطب ميلينا عوضًا عن ذلك، مفسرا توتره ونذالته. وقد برّر لها ألا لوم عليها وأنّه فقط المدان. فهو ليس ملاكًا، وقد اعتاد الخطأ في حق الكثيرين. وهو بالأحرى لا يرضيه أبدًا، لكنّهم كذلك اعتادوا ألا يلوموه، ويكملوا حياتهم على أكمل وأسعد وجه بدونه. و بذلك يكون منزّهًا عن أية عتاب!

ويحقّ القول أنّه كان يعاني من فوبيا الزواج. وعلاقته بالأطفال ليست جيدة أبدًا، وتخلو من الود. فقد تعرض لمحاولات عديدة للتخلص منه، تقودها ثلاث شقيقات صغيرات يقيم معهن، أكبرهن تكاد تبلغ الخامسة. وكان يصفها بمحاولات قتل، بينما أمه التي تكور بطنها وزوجها يضحكان على عراك الأطفال المستمر معه.

كافكا لم يكن بحاجة لتبادله ميلينا الحب- كما ثقافتها وإرادتها وجمال ذهنها وحضور روحها. إيمانها كناقدة، به ككاتب لم يكن سببا محوريا لهذا التعلق والافتتان بها. تعلّق سرعان ما تحوّل لعشق ناضج، حاولا تبديده بعقلانيتهما، لكنه لم يصل أبدًا حد الزوال. وقد ترجمت هذا بوادره القصصية القصيرة التي مهدت لحياته الأدبيّة. فعبّر عن مشاعره تجاهها بأبسط الكلمات:

 

“أنتِ تنتمين إليّ حتى ولو قُدّر لي ألا أراكِ مرّة ثانية على الإطلاق”

أيّهم أكثر فتكا.. السُل أم الحب أم الذل؟

نهاية كافكا وميلينا كانت بائسة. بعد عامين من غرامهما، قضى الأول نحبه بالسُل أما ميلينا الكاثوليكية فقد قبعت سجينة يفترسها المرض والذل في السجون النازية. جدير بالذكر أنّ خادمة كافكا الرؤوم قد توقّعت داء كافكا قبل الطبيب، حين رأت النزيف يسيل من فمه، فقالت: “سيدي الدكتور -مشيرة لكافكا- إنك لن تعيش طويلا”، أمّا أجمل ما وصف به كافكا نفسه، فكان: “إنّك لست متعبًا، لكنك خائف من ذلك التعب اللانهائي الذي سوف يعقب ذلك القلق اللانهائي”.

 

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.