مجتمعسياسة

ماذا بقي من الإضراب العام؟ تونس الديمقراطية تجهض سيناريو 26 جانفي 1978

 

حشود بشرية تتجمع أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في قلب العاصمة تونس، تلبية لدعوة تجمهر كبيرة، بالتزامن مع إضراب عامّ في الوظيفة العمومية والقطاع العام إثر تعطّل المفاوضات الاجتماعية للزيادة في الأجور. مشهد قوي، صبيحة الخميس 17 جانفي 2019، ومهم بالنّسبة لقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، لتوجيه رسائل في كل الاتجاهات وإلى الطرف الحكومي على وجه الخصوص.

 

شكّل المشهد وأعداد المواطنين القادمين للوقفة فرصة أيضا، للعديد من الأطراف السياسية لمحاولة الاستثمار والتوظيف في ظل حالة من الانقسام في المشهد، بين من يدعمون الذهاب إلى الانتخابات المنتظرة نهاية السنة الجارية باستقرار حكومي، ومن يدعمون سيناريوهات تراوح بين الفوضى والدعوة إلى إسقاط الحكومة. انتهى الإضراب دون تسجيل أي احتكاك أو أي خروج عن السيطرة رغم الشحن القوي بالشعارات المتوترة التي رفعها المشاركون في الوقفة الاحتجاجية.

 

سيناريو أجهض

بعد نحو ساعتين ونصف من الوقوف أمام المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل بقلب العاصمة تونس، وما حصل خلالها من محاولات شحن باستخدام شعارات سياسية واضحة رفعتها بعض الأطراف السياسية التي تسعى لتوظيف الإضراب، حاولت نفس الأطراف جرّ المشاركين في الوقفة نحو شارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة، بحثا عن أي إحتكاك ممكن. وتحدّث بعضهم عن محاولات لدفع المحتجين إلى التوجه نحو ساحة الحكومة بالقصبة، للمطالبة برحيلها، لكنّ أغلب المشاركين في الوقفة انسحبوا في حركة عفوية، وتفادوا الدفع نحو الفوضى أو أي سيناريو مواجهات أو عنف.

 

قبل سويعات من تنفيذ الإضراب العام، اشتغلت آلة الدعاية بشكل كبير، وبوسائل مختلفة من أجل الدفع بالبلاد نحو سيناريو الفوضى الذي يتقاطع مع بعض الأجندات السياسية المفضوحة. حقنة تحت الجلد سرّبت للمحتجّين سيناريو 26 جانفي 1978 على لسان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي نفسه في ما بات يعرف بـ”الخميس الأسود” (رغم عنصرية العبارة في بلد يجرّم العنصرية)، ومسرحية ركيكة تحت قبة مجلس النواب تقودها كتلة الجبهة الشعبية.

 

خاب مسعى المستثمرين في الفوضى الذين حاولوا حتى آخر لحظة تحويل وجهة الإضراب العام، وانتهى بدون تسجيل أي عنف أو احتكاك، لتنجلي سحب سيناريو 26 جانفي 1978 الذي تحوّل فيه الإضراب إلى ملاحقات وأعمال عنف وقمع طالت النقابيين. من خلال هذا المشهد المواطنيّ، وباختلاف مآلات إضرابين في زمنين مختلفين يتّضح الفرق الكبير بين ما بعد الثورة وما قبلها.

 

 

امتحان ديمقراطي ناجح

نجاح الإضراب العام، الخميس 17 ديسمبر 2019، رغم كل الشعارات السياسية ومحاولات التحريض والشحن التي سبقته وتزامنت معه، ورغم ضريبته الكبيرة على الاقتصاد الوطني لكنّه مثّل نجاحا باهرا لتونس ولتجربتها الديمقراطية في امتحان جديد، كان صعبا لعدّة ظروف وأسباب أحاطت به.

 

تونس الثورة والديمقراطية بات فيها الإضراب العام والاحتجاج وحق التّظاهر مكفولا بالدستور الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي، وبات من غير الممكن متابعة وملاحقة النقابيين والمعارضين، كما كان يحدث تحت نظم الفساد والاستبداد. هذه هي الصورة التي تم تكريسها في النهاية.

 

وليس هذا فقط، الحوار ميزة أخرى للتجربة التونسيّة، يؤكّدها نية الطرفين الحكومي والنقابي العودة إلى طاولة الحوار، بحثا عن المصلحة الوطنية التي تراعي إمكانيات الدولة والمالية العمومية من جهة، ومقدرة التونسيين الشرائية من جهة أخرى. وهذا أيضا مكسب كبير لتونس التي بات فيها الحوار والتدافع الاجتماعي والاختلاف يدار بالتوافق وبالحوار باعتباره الأداة الأكثر تحضرا وديمقراطية.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.