اختيار المحررينثقافة

وثائقي الفلاقة: عن مجد المقاومة التونسية من ملحمة الرصاص والدماء إلى صراع الزعامات

 

الفلاّقة، بما تعنيه من تمرد وخروج عن القانون، عبارة استخدمها المحتل لتحقير الثوار التونسيين الذين جاهدوا في سبيل تحرير البلاد في حركة عفوية، شملها التأطير الحزبي مع إحداث الحزب الدستوري التونسي وبداية الحياة السياسية في البلاد، وصولا إلى عمليات التوظيف التي طالتهم في ظل الصراع البورقيبي واليوسفي.

 


 

أضحى اليوم عملا وثائقيا مرجعاـ للمخرجة، سماح الماجري، الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية على مدى يومين، ليحقق نجاحا وانتقادات لبعض فصوله في علاقة بالأحداث التاريخية وتوازنها.

يروى العمل في جزأيه، قصة مقاومي “الفلاقة” التونسيين، الذين قادوا معاركهم ضد المستعمر الفرنسي، وتصدوا للاحتلال بإمكانيات ضعيفة أمام الأسلحة الثقيلة.

كانت المقاومة المسلحة في بدايتها عفوية دون تأطير حزبي أو سياسي، مع اختلاف موازين القوى، فمثلت شرارة بداية التصدي إلى المستعمر إلا أنها باءت بالفشل في تلك الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى وأمام العتاد العسكري لنظام الحماية الفرنسي.

 

 

وقررت القبائل التي ساهمت في المقاومة، الهجرة الجماعية إلى طرابلس بقيادة “علي بن خليفة النفاتي”، المناضل الذي كان رمز المقاومة القبلية، وعاد أغلبهم إلى تونس بعد وفاته، أين ظهرت قيادات جديدة نقابية مثل البشير صفر.

عرف النضال عدة مراحل مع بداية الحرب العالمية الأولى والثانية، وخلال فترة الاستقلال وما بعدها من أولوية أولها الدفاع عن الأرض والهوية العربية الاسلامية، إلى الصراع الزعماتي وصولا إلى تصفية الخصوم.

ويعد الفلاقة عنصرا محوريا في مختلف هذه الفترات الذين قادوا ثورتهم من الجنوب إلى الشمال مرورا بالمقاومة الليبية خلال الحرب العالمية الأولى، ثم الجزائرية في مرحلة لاحقة.

 

 

وقد وصلت إلى أوجها وشهدت فتورا نتيجة القمع الاستعماري، الذين استهدف رموزها على غرار المناضل محمد الدغباجي الذي أعدم أمام أهله لكنّ رمزية معركته المرة، وشهرتها بقين ضاربة إلى اليوم.

مع بداية الثلاثينات، وانتعاش العمل السياسي والنقابي من خلال إحداث أول نقابة تونسية تدافع عن العمال مع محمد علي الحامي، اتخذت المقاومة أشكالا مدنية عن طريق الاضرابات والمظاهرات، وكانت مؤطرة سياسيا.

وخلال  اندلاع الحرب العالمية الثانية، عادت الحركة المسلحة، مع فلاقة زرمدين، وثورة المرازيق، وأخذ العمل السياسي أشكالا تصاعدية مع بروز طبقة جديدة تقود الحزب الحر الجديد، من بينهم الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، الحبيب ثامر.

 

 

أثرت هذه المجموعة في المشهد وكانت تهدف إلى التفاوض مع الفرنسيين من أجل إلغاء معاهدة الحماية إلا أنها فشلت في تحقيق ذلك.

وفي هذه المرحلة التاريخية، أصبحت المقاومة المسلحة مشرعة تحت غطاء سياسي، مع بروز مقاومين مثل الأزهر الشرايطي ومصباح الجربوع وساسي الأسود.

تناول الوثائقي عملية التسليح والتعاون بين الثوار من تونس والجزائر وصولا إلى المشرق، حيث امتد الدعم بين حركات التحرر التي قادت هذه الدول إلى الاستقلال.

ووصف  انتقال المقاومة من الجنوب إلى الشمال الغربي التونسي  وظروف مرابطة المجاهدين في الجبال، وفسر تأخر المقاومة في الشمال الغربي بالتفاوت الاقتصادي بين المنطقتين حيث كانت محافظات الشمال غنية ولا يجوع فيها أحد مقارنة بالجنوب.

 

 

ومع تطور نسق المقاومة أجبرت فرنسا على قبول التفاوض في الاستقلال الذي عبّر عنه، موندس فرانس، خلال زيارته إلى تونس ولقائه بالباي، وأعلن خلاله عزم فرنسا منح تونس الاستقلال الداخلي.

توجه بورقيبة بنداء للفلاقة لتسليم أسلحتهم، وبينما سلم بعضهم بنادقهم، اختار البعض الآخر المقاومة ورفض التسليم لجيش الاحتلال.

وفي سنة 1955، وقع الطاهر بن عمار، رئيس الحكومة، اتفاقية الاستقلال الداخلي، الذي تسبب في انقسامات داخل الحزب وبين المقاومين.

 

 

ومثلت هذه المرحلة فترة تشظي وانقسام تواصل بين الطرفين أي بورقيبة ومؤيديه مع عودته من منفاه في فرنسا صالح بن يوسف وداعميه إثر عودته من سجنه في مصر، ووصفت ببداية الصراع الحقيقي، حول طبيعة الاستقلال الذي نواصل حتى مؤتمر صفاقس مع تمسك بورقيبة بقبول أي تنازل من فرنسا واستثماره فيما كان بن يوسف ضد سياسة المراحل ومع إلغاء معاهدة الحماية المتفق عليها.

ووجد بورقيبة مساندة من اتحاد الشغل والقوى الحداثية فيما اعتمد صالح بن يوسف على “الارستقراطية القديمة” واتحاد الفلاحة.

تعمق الصراع وانقسم الحزب الدستوري إلى شقين هما الأمان العامة التي أشرف عليها بن يوسف ولجان الرعاية البورقيبية.

وكان الفلاقة جزء من الصراع، وواجهوا بعضهم في الميدان ليصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم. ودعا بن يوسف حلفاءه  لتكوين جيش التحرير ثمّ لجأ إلى ليبيا بسبب مقاضاته واتهامه بقيادة مؤامرة فيما واجه المقاومون في الجبل، ظلم المستعمر والعنف البورقيبي.

ولم يمنع الاستقلال التام من تعمق الصراع، بل قاد بورقيبة جماعته ضد اليوسفيين وصب عنفه ضدهم مع تقزيم دور الفلاقة الذين بقي بعضهم في تنسيق مع الجزائر وليبيا.

وتمت إعادة توظيفهم  عام 1961، بالتزامن مع معركة الجلاء في بنزرت التي راح ضحيتها مئات المقاومين.

واعتبر أحد المؤرخين في الوثائقي أن  بورقيبة “أراد خلق حدث يموت فيه التونسيون ليطالب بالجلاء عام 1961”.

بعد انتهاء المعركة وخروج الفرنسيين من قاعدة بنزرت، تم اغتيال صالح بن يوسف في منطقة فرانكفورت الألمانية.

جاء ذلك بعد اجتماع جنيف بين بورقيبة وبن يوسف، الذي توعد إثره بورقيبة بالقضاء على خصمه، الذي صفعه خلال اللقاء وفق المؤرخين.  

وتناول الوثائقي روايات أخرى من بينها أن من قام بقتل بن يوسف كانوا مجندين لقتل بورقيبة حتى أقنعتهم مخابرات بعكس العملية.

نفذ البشير زرق عيون، العملية وفق الرواية التي تداولها الوثائقي، الذي تحول لقتله من تونس باتجاه فرنسا وصولا إلى ألمانيا.

وتطرق الوثائقي إلى المحاولة الانقلابية عام 1962، التي حكم بعد إحباطها بإعدام الأزهر الشرايطي، أحد المقاومين الذين ساندوا الانقلاب.

قاوم “الفلاقة” المستعمر الفرنسي العدو الوحيد، وبعد توقيع الاستقلال الداخلي والانقسام وجدوا نفسهم في مواجهة بعضهم فظلم الكثير منهم وأعدم بعضهم ، كما وجد العديد من المقاومين بعضهم على الهامش رغم دورهم الريادي بسبب ما اعتبره أحد المؤرخين “أنانية بورقيبة”.

يعد الوثائقي الأول من نوعه الذي يتناول موضوع الثوار التونسيين ودورهم خلال مرحلة الاستقلال التونسي وما سبقه من أحداث وما لحق به من صراعات، إلا أن بعض الناقدين اعتبروا أن هناك تحاملا تجاه جهة سياسية، ورأى البعض أنه لم يتناول مختلف الأحداث أو تجاهل بعضها. لكنه يبقى مرجعا يمكن العمل عليه أو اعتباره بداية تثمين دور الفلاقة أو المجاهدين التونسيين.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.