فيديوسياسة

الجبهة الشعبية.. شعارات رنانة ومواقف وممارسات مناقضة

 

 

فوضى عارمة، وسباب، وشتائم تحت قبة البرلمان تُنقل مباشرة على شاشة التلفاز، أمام أنظار التونسيين والعالم. مشهد هو الأعنف منذ انتخاب مجلس نواب الشعب الحالي، شهدته قاعة الجلسات العامة بباردو، تمثّل في غضب نواب الجبهة الشعبية غير المبرّر قانونيا وأخلاقيا على طلب نقطة نظام.

 

قاعة الجلسة العامة تحوّلت بسرعة إلى مشهد لتبادل العنف اللفظي، كاد أن يتحول إلى تبادل للعنف المادي، لولا تدخل بعض النواب لفض الاشتباك بين نواب الجبهة الشعبية ونواب عن كتلة الإئتلاف الوطني. وتخلّل المشاحنة سبّ للجلالة من طرف النائب عن الجبهة الشعبية، نزار عمامو. حركة أثارت غضبا واسعا لدى التونسيين، لكنها تثير أيضا أسئلة عن طبيعة مواقف الجبهة الشعبية وممارساتها السياسية.

 

 

الشعار نقيض الفعل

طيلة السنوات الثماني التي تلت الثورة، ترفع التنظيمات اليسارية التي اجتمعت تحت مظلة الجبهة الشعبية، بالإضافة إلى تشكيلات سياسية أخرى، شعارات رنّانة كثيرة من بينها احتكار الحداثة، والتقدمية، والديمقراطية، والحريات، إلى جانب تنصيب أنفسهم ناطقين باسم الفقراء، والمهمّشين، والمطالبين بالعدالة الاجتماعية، لكنّ ممارساتهم الفعلية ومواقفهم تكشف غير ذلك.

لسنوات ظلت الجبهة الشعبية -ولا تزال- ترفع عنوان “النسوية” كأحد أبرز قضاياها التي تدافع عنها، لكنها سقطت عند أوّل اختبار، في اليوم الذي توجّهت فيه بنعوت نابية لنساء حركة النهضة، ثم زاد النائب عمار عمروسية الطين بلة يوم أطلق العنان للسانه تحت قبة البرلمان متهكّما على النائب صابرين القوبنطيني ووصفها بـ”يا متاع البيسين” دون أن يعود ويعتذر عن ذلك التصريح الذي اعتبر مهينا للمرأة.

تواصل الجبهة الشعبية احتكار قيم الحداثة، وشعار الدفاع عن مدنية الدولة حتى اليوم الذي تم فيه تنفيذ انقلاب عسكري دموي ضدّ أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة 25 يناير المصرية، لتنحاز الجبهة بوضوح إلى عسكرة السياسة، وحتى عندما حاولت التملص من ذلك الموقف المشين، فقد ساوت بين الجلاد وضحيته.

موقف الجبهة الشعبية من الانقلابات العسكرية قد يفسره موقفها من الديمقراطية والتعددية، وهي التي تجنح عند أول اختلاف إلى العنف وشعارات “الشوارع والصدام”. فقد سبق أن حاول نائبها منجي الرحوي في جلسة عامة، الاعتداء على الناطق الرسمي باسم الحكومة إياد الدهماني. وهو ليس الفعل الوحيد المناقض للديمقراطية، فالجبهة ترفض بوضوح الاعتراف بنتائج الصناديق، وتدعو باستمرار لإسقاط الحكومات المتعاقبة، ناهيك عن دعواتها المتتالية لاستئصال الإسلاميين بعد فشلها في الفوز بالانتخابات الحرة والنزيهة.

الجبهة الشعبية التي احتكرت لنفسها الدفاع عن الفقراء والمهمّشين، والدفاع عن أهداف الثورة وقفت بشكل علني مع بارونات الفساد. وكانت أحد أبرز منظمي اعتصام الرحيل صائفة 2013 إلى جانب المنظومة القديمة المدعومة من كل مربعات النفوذ في دولة الفساد والاستبداد. وبالتمعن في نتائجها الانتخابية، نلاحظ  أنّ الجبهة تتغيب تماما عن الأماكن والمناطق الشعبية والمهمشة لتحضر في المدن وبين الفئات المترفهة.

 

ماذا بعد؟

في السنوات الأخيرة، تمكّنت الجبهة الشعبية بوضوح من إثبات نقيض شعاراتها قولا وفعلا. وانخرطت بشكل أو بآخر في أجندات الثورة المضادّة لحسابات سياسية وانتخابية، وتبعا لصراعات إيديولوجيّة تخوضها، بعد أن فشلت في تطوير أدبياتها وممارستها السياسية بناء على مقتضيات الزمن الديمقراطي الجديد الذي دشنته الثورة.

 

من خلال قراءة سريعة في مواقف وممارسات الجبهة الشعبية التي تتماشى تماما مع بعض الأدبيات الشيوعية القديمة، تحاول الجبهة الشعبية ترذيل السياسة والسياسيين، وترذيل المؤسسات المنتخبة بشتى الطرق، بعد أن فشلت انتخابيا وفشلت أيضا في تعريف نفسها ببرامجها وبدائلها وتحولّت إلى طرف يعرّف نفسه على النقيض دائما.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.