مجتمعسياسة

كلمة السبسي في 14 جانفي: خطاب تشاؤمي يستثمر في التوتر الاجتماعي ويهاجم الدستور

 

14 جانفي 2019، ثمان سنوات انقضت على هرب الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي، بعد 28 يوما من الاحتجاجات الشعبية العارمة التي عمت البلاد، إثر إقدام بائع الخضار محمد البوعزيزي على إحراق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، وبعد عقود من الفساد والاستبداد قدمت خلالها تونس قوافل من الشهداء والآلاف من السجناء، والمختفين قسريا والمهجرين من السياسيين.

 

في ذكرى الثورة وهروب الدكتاتور، نزل التونسيون إلى الشوارع لإحياء المناسبة، بطرق مختلفة: بين محتفل بالحرية التي حرم منها لعقود، وغاضب على المسار الانتقالي المتعثر، وغيرهم، غير أن البعض الآخر اكتفى بالمشاهدة من بعيد ورجم الثورة والديمقراطية وشيطنتها. رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي اختار توجها آخر هذه المرة.

 

خطاب اليأس

أشرف رئيس الجمهورية التونسي الباجي قائد السبسي، صبيحة 14جانفي 2019، بباردو، على تدشين معرض توثيقي لأحداث الثورة التونسيّة. معرض سرعان ما أكدت التقارير الإعلامية أن منظّميه ملاحقون بتهم خطيرة من بينها سرقة حقوق الملكية الفكرية لصور ومواد تم عرضها. ولدى إشرافه على افتتاح المعرض، ألقى السبسي كلمة أثارت جدلا واسعا وردود فعل غاضبة.

رغم كل المكاسب التي تحقّقت لتونس بعد الثورة، وحتى للباجي قائد السبسي نفسه الذي أصبح بموجبها رئيسا للجمهورية، وعاد بعد أكثر من 20 سنة من التقاعد السياسي، إلاّ أن رئيس الجمهورية اختزل المكاسب برمتها في مكسب وحيد يتمثّل في الحرية التي قال إنها يمكن أن تتدعم أكثر في البلاد.

الباجي قائد السبسي الذي تسلم مشعل رئاسة الجمهورية منذ أربع سنوات، وشارك حزبه نداء تونس لأربع سنوات في السلطة، خرج على التونسيين في ذكرى ثورتهم ليشدّد على أنّه بعد الثورة “مازالت البطالة ومازال الفقر ومازال التهميش”، في إشارة إلى فشل الثورة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، بالتزامن مع أزمة إقتصادية مترامية في البلاد بسبب سطوة القضايا المجتمعية والهزات السياسية على المشهد.

الباجي قائد السبسي الذي يواجه هو وحزبه نداء تونس في الفترة الأخيرة تهما بمحاولة توظيف فترة الاحتجاجات الاجتماعية والأزمة الاقتصادية الخانقة في اتجاهين؛ الأول حملة انتخابية مبكرة، والثاني حملة ضدّ رئيس الحكومة والائتلاف الحكومي الجديد، عدّد كل مقومات التقييم السلبي الذي يقدمه حزبه منذ أشهر لأداء فريق حكومي يطالبون برحيله، في حين أنه مشكّل أساسا من مرشحي الحزب وأبنائه.

 

 

 

خروج عن الحياد وأشياء أخرى

لم يتبنّ رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، في خطابه، يوم 14 جانفي، نفس تقييم حزبه نداء تونس السلبي للأداء الحكومي فحسب، بل تبنى أبرز عناوين المقارنة الساذجة التي تجريها الثورة المضادّة بين وضعين لا يتشابهان مطلقا. فالبديهي أن يكون الوضع السابق سببا رئيسيا في الأزمة الحالية بمخلفاته من الفساد والاستبداد.

السبسي لم يفوّت الفرصة أيضا لانتقاد الدستور التونسي الجديد، الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي، بعد فشله في أكثر من مناسبة في الضغط لأجل تعديل النظام السياسي، وإرجاع النظام الرئاسي. واعتبر أنّ الدستور الجديد يحتوي نقاط ضعف قال في بداية كلمته أنه سيعود لتعديدها، لكنه لم يفعل.

وفي كلمته، التي يفترض أن تكون جامعة وباعثة للأمل لدى التونسيين، أصدر الباجي قائد السبسي موقفا سياسيا ضدّ مشروع حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد الجديد الذي وصفه بحزب الحكومة. وقال أنّه يمثّل تهديدا آخر للانتقال الديمقراطي في البلاد، رغم أن نفس التهمة كانت ولا تزال تلاحق أيضا حزبه نداء تونس، الذي قام بتوظيف وزرائه في حملته الانتخابية للبلديات السابقة؛ وقام أيضا بالسطو على مهام الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية في الفترة الأخيرة التي تلت القطيعة مع النهضة والصراع مع رئيس الحكومة.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.