مدوناتغير مصنف

لماذا يغيب نداء تونس عن الاحتفالات بعيد الثورة؟

 

 

بين غاضبين محتجّين ومنتقدين يطلبون إصلاح الوضع والتشبث ببعض مطالب وأهداف الثورة وآخرين محتفلين بمكسب الحرية بعد عقود من الإستبداد خرج التونسيون إلى قلب العاصمة تونس لإحياء ذكرى هروب الدكتاتور زين العابدين بن علي الثامنة. لوحة رائعة من قلب العاصمة تعكس فرادة الثورة التونسية وتجربتها الديمقراطية الناشئة أين كانت الإختلافات مجتمعة في شارع واحد.

 

من الجبهة الشعبية اليسارية إلى حزب حركة النهضة مرورا بتشكيلات وأحزاب أخرى من بينها المؤتمر من أجل الجمهورية والتيار الديمقراطي كانت تركيبة شارع الثورة في تونس تمزج بين السلطة والمعارضة لكنّ غاب عنها بوضوح كل المرتبطين بالنظام القديم من الذين يناصبون الثورة والديمقراطية العداء.

 

منذ تأسيسه سنة 2012، لم يشارك حزب نداء تونس في أي تظاهرة إحياء لعيد الثورة أوهروب الدكتاتور زين العابدين بن علي، ملاحظة قد يجيب عليها التونسيون بشكل مباشر وبصريحة العبارة قولا بأن “النداء ليس من الثورة” وهو توصيف على بساطته يحمل في طياته الكثير من الحقيقة.

 

 

موجودون بفضل الثورة

في اليوم الذي فرّ فيه الدكتاتور هاربا كانت شوارع البلاد تعج بالضحايا والمنتفضين ولكن الدولة لم تسقط في تونس ولا إنحرفت نحو عسكرة السياسة فقد كانت السلطة على طبق من ذهب للمؤسسة العسكرية التي إختارت ان تكون جمهورية ولا تدخل غمار السياسة حسب تأكيدات رسمية صادرة عن قائد الجيش حينها، رشيد عمار.

 

التمسك بالشارع لإستكمال فرض خيارات الثورة هو من أبرز أسباب عودة الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الحالي إلى المشهد، وهو الذي إعترف بعظمة لسانه “لم أشارك في الثورة كنت في بيتي منذ 20 سنة”، جيء بقائد السبسي بفضل الثورة بعد أن كان ضمن الكوكبة التي إختارت إنهاء فترة تقاعدها بعيدا عن الأضواء رغم قربها من مراكز القراروالسلطة.

 

اشابات تونسيات يحتفلن بالذكرى الثامنة للثورة في شارع الحبيب بورقيبة

 

لم تمكّن الثورة الباجي قائد السبسي من العودة إلى المشهد، بل أتاحت له فرصة دخول التاريخ من الباب الكبير عندما تم إستئمانه على تنظيم أول إنتخابات ديمقراطية في سنة 2011، لكنه لم ينه مسيرته عند ذلك التاريخ بل أصبح يطالب بالمشاركة في الحياة السياسية عبر مبادرة تحولت إلى حزب سياسي يحمل إسم نداء تونس.

 

بفضل الثورة ودستورها الديمقراطي وبفضل مكاسب التعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة وبفضل الصناديق الحرة والشفافة، تمكّن نداء تونس من الفوز بتشريعيات ورئاسيات نهاية سنة 2014، كلّها مؤشرات يفترض أن تجعل من نداء تونس طرفا شريكا رئيسيا في الدفاع عن الثورة وفي الإحتفال بها.

 

بعض مظاهر الإحتفال في شارع الحبيب بورقيبة يوم 14 جانفي 2019

 

لماذا لا يحتفلون؟

في الظاهر، يرفع نداء تونس ومنخرطوه وأنصاره شعارات كثيرة للتمايز عن عن منافسهم الرئيسي في المشهد السياسي التونسي، وهو حركة النهضة، شعارات تكشف بوضوح أنها مجرّد شماعات لمناصبة الثورة العداء، وفي كثير من الأحيان حتى الديمقراطية والحرية باعتبارها أبرز المكاسب، بعد إنتخابات 2014.

 

تشكّل نداء تونس بالأساس على قاعدتين رئيسيتين، الأولى هي الدفاع عن مدنيّة الدولة والتصدّي للإسلاميين وهي شعارات كانت الغاية من وراءها إنتخابية بالأساس عندما أيقن السبسي وبعض المحيطين به أن شتات المعارضة منقسم لا يمكن أن يفرض إستقطابا ثنائيا. غير أن خيارات الحزب بعد إنتخابات 2014 تؤكّد زيف هذه المقولات والشعارات أو على أقل تقدير أنها ليست سوى شعارات تعبئة إنتخابية.

 

 

القاعدة الثانية التي تأسس عليها نداء تونس تمثّلت بالأساس في الدفاع عن مربعات النفوذ داخل الإدارة والإعلام وعالم المال التي كانت أبرز المتضررين من هروب المخلوع ونجاح الثورة في البلد فاجتمع تحت خيمة النداء التجمعي والنقابي واليساري واللبرالي معا من أجل حماية مصالح مهدّدة فضحتها جملة المواقف والقوانين التي دافع عليها فيما بعد الحزب بشراسة.

 

من ناحية التركيبة الإجتماعية وبدراسة أنثروبولجيا السلوك الإنتخابي لجمهور نداء تونس وقاعدته الإنتخابية يتبين بوضوح أنه كان تجمعا لتشكيل واجهة تحمي مراكز النفوذ المتضررة من الثورة، لذلك لا يجد نفسه ولا يضع نفسه أساسا في خانة من يحتفلون بها.

 

يمكن أيضا الإستعاضة عن كل التحاليل بدراسة طبيعة التعيينات التي إقترحها أو قدمها نداء تونس بعد ووصوله إلى السلطة في نهاية سنة 2014 وطبيعة القوانين التي إقترحها وحتى طريقته لترويجها، سيتبين بوضوح أنه كان خيمة للثورة المضادة وللمتنفذين من النظام القديم وليس وحده فمنافسوه على نفس القاعدة الإنتخابية عبر التخويف من “غول الثورة والإسلاميين” كثر.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.