اختيار المحررينثقافة

فيلم “سامحني” لنجوى الإمام سلامة: الضمير المستتر في حقيقة الموت

 

هل نعتذر للذين أخطأنا في حقهم في الوقت المناسب؟

وهل تمنحنا الحياة سخاء لحظة نغتسل فيها من أخطائنا وذنوبنا لنقول كلمة ” سامحني ” أو عفوا في اللحظة التي ينتظرها الطرف الآخر؟

أم  أننا نمضي في ركضنا اليومي متناسين تلك الأخطاء التي راكمناها في حق غيرنا ومتغافلين عن قدر الألم الذي سبّبناه لهم حتى تدركنا أو تدركهم النهاية المحتومة؟

 

هي أسئلة تخامر الذهن ونحن نتابع الفيلم الوصية للمخرجة الراحلة نجوى الإمام سلامة الذي يعرض هذه الأيام في قاعات السينما بتونس والذي عرض من قبل خلال فعاليات أيام قرطاج السينمائية في دورتها الأخيرة.

 

 

مخرجة الفيلم مع بطله عابد فهد

 

 

ولأن سامحني ليس فيلما عاديا بإعتباره كان حلم نجوى الإمام سلامة وكان وصيتها الأخيرة وهو الذي  أنجزته وهي في آخر مراحل حياتها وكانت تصارع المرض وهي تحيك هذا العمل الفني بمنتهى الإبداع والجمال وأوصت قبيل رحيلها ، زوجها بأن يتابع هذا الفيلم إبان صدوره وأن يرافق عروضه وأن يرعاه كما يرعى الأب إبنه.

 

 

 

 

 

وإذا كانت هذه خلفية الفيلم الواقعية فإن موضوعه لا يبتعد كثيرا عنها خاصة بالنظر إلى مضمونه العام وهو الصراع مع  المرض و مواجهة الموت بالإضافة إلى تفاصيل أخرى.

وتدور وقائع الفيلم حول شخصيتين رئيسيتين هما فوزي القاضي الفاسد الذي جسد دوره بإقتدار محمد علي بن جمعة ومسطاري الباحث في الآثار والذي جسد دوره النجم السوري عابد فهد وهو الذي تعرض لظلم من قبل القاضي واتهم زورا وبهتانا بسرقة الآثار وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات كاملة.

ويستهل الفيلم بخروج مسطاري من زنزانته وتتابع الكاميرا خطواته المثقلة وهو يجوب الشوراع ثم يزور منزل حبيبته التي تشي لهجة شقيقتها بكونها من سوريا ونفهم من خلال الحوار المقتضب الذي دار بينهما أنها  توفيت بعد سجنه وأصيبت والدتها بمرض الزهايمر وفقدت إحساسها بمن حولها نهائيا في حين ظلت شقيقتها تكابد وحيدة وتعمل مروضة للأطفال.

 

 

 

وفي لقطة ذات مشهدية عالية نتابع خطوات مسطاري وهو يزور قبر حبيبته المسيحية ويقف ليقرأ الفاتحة على روحها وهو مشهد موغل في الرمزية والجمالية.

وفي الأثناء نتابع نمط عيش القاضي المرتشي الذي بدأ ضميره يستيقظ وهو يلحظ إمعان زوجته مليكة التي تقوم بدورها مريم بن حسين وشقيقها في جعله أداة طيّعة من أجل تحقيق مآربهما في تكديس المزيد من المال .

وفي سياق الأحداث يتقاطع مصير مسطاري وفوزي مرة أخرى بعد خطأ طبي إتضح من خلاله أن الطبيب الذي أعلم القاضي بكونه يعاني مرضا خطيرا وأيامه معدودة قد أخطأ وأن تحليل الدم الذي أظهر ذلك هو لمريض آخر وهنا تعلب المصادفة دورها فهذا المريض ليس سوى مسطاري ضحية القاضي الذي ألقى به حيفا وزورا في غياهب الزنزانة.

وبعد معرفته بالحقيقة  يبدو فوزي مرتبكا وباحثا عن مرفأ بعيدا عن بيته وتأثير زوجته.

 

 

وهنا لا يجد أفضل من حضن حبيبته السابقة التي تخلى عنها وهي الفنانة التي أخلصت لفنها وإختارت العزلة في بيت جميل من بيوت تونس القديمة بكل ما يكتنزه من معاني الأصالة والمحافظة على القيم التي تخلى عنها القاضي الذي وجد نفسه في مستنقع الفساد وجر إلى وحله.

وتكبر في ذهنه فكرة الإعتذار لمسطاري ومواجهته وطلب العفو منه وهنا يبدو الصراع بين ضميره وآناه المتعاظمة كبيرا خاصة وأن زوجته بات تهدده إذا ما تراجع عن دعمه للفاسدين.

 

ولكن الدعم يأتيه من صوفية التي تلعب دورها سوسن معالج  وهي التي تحرضه على ان يحسم الصراع الذي بداخله .

وتتابع كاميرا نجوى الإمام سلامة في إحتفالية عالية كيفية إستعداد مسطاري للموت وقد كان إختيار مدينة المهدية لتصوير الجزء الأهم من الفيلم موفقا ومن يعرف عاصمة الفاطميين يندهش للموقع الغريب لمقبرتها التي تشرف على البحر في موقع موغل في الجمال وهو المكان الذي آثر مسطاري أن يودع فيه الحياة وهو يعد العدة للرحيل  الأخير  حتى أنه جهّز تفاصيل قبره مستحضرا صور حبيبته وملابسها وهو يقدم طقوسا للموت غير معهودة.

 

 

فهذا الرجل الصموت الذي صفعته الحياة مرارا وقست عليه بدا في غابة من الإتزان وهو يواجه الموت في الوقت الذي كانت هناك عيون تراقبه عن كثب ونعني القاضي فوزي الذي كانت قاب قوسين أو أدنى منه وهو يريد أن يقول له تلك الكلمة التي توقفت في حلقه ” سامحني “.

وعندما يغلب الضمير التردد يمضي القاضي الفاسد إلى القبر الذي أعده مسطاري فيجده جالسا وهناك يبوح له بمنتهى الصدق ويعتذر ولكنه يكتشف أن الرجل صمت إلى الأبد وإحتضن جراحه في صمت ومضى.

وعندما كان عدد قليل من أقارب مسطاري يودوعنه الوداع الأخير كان القاضي مغرقا في دموعه وأسفه على فوات أوان سامحني في تلك اللحظة كانت ثمة يد غادرة تقف خلفه وتستعد للضغط على الزناد لإطلاق الرصاص عليه.

أليس هذه لعبة الحياة بكل تلويناتها التي تلاعبنا حينا وتفاجئنا حينا آخر أليس هذه متناقضات دنيانا الفانية التي لا معنى لها في غياب الضمير والقيم الإنسانية الخالدة ؟؟؟

هو ذا فيلم النهاية وفيلم الرحيل كما أرادته نجوى الإمام سلامة التي كانت تسابق الزمن وهي تنجزه لتشاهده في نسخته النهائية تماما كما كانت تركض عكس عقارب الساعة لتحتفي بزفاف إبنيها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.