مجتمعسياسة

الأكراد شمّاعة لتخريب جسد الأمّة: العراق البارحة وتركيا غدا

 

 

متغيرات كثيرة تقدم عليها منطقة الشرق الأوسط، ومتغيرات أكبر قد تقدم عليها الأراضي السورية رغم السير نحو التطبيع مع نظام الأسد من طرف نفس مكونات الحلف الذي كان يطالب برحيله. ويبقى أهمّ ما يميّز كل هذه المتغيرات، سواء تلك التي حدثت أو تحدث أو يخطّط لحدوثها، أنّ الطرف المستهدف فيها ومنها واحد. وهو بالأساس تركيا.

منذ الأسابيع الأخيرة لسنة 2018، تحشد تركيا قواتها العسكرية على حدودها الجنوبية مع الأراضي السورية، أين تنتشر التنظيمات الإرهابية الكرديّة المدعومة غربيا، والتي توجّه أسلحتها نحو الأتراك منذ سنوات في عمليات استهداف متتالية، بطرق مختلفة. تحشد أنقرة قواتها، قبل الساعة الصفر لعملية شرق الفرات التي تهدف إلى تطهير الحدود التركية من هذه الجماعات الإرهابية.

 

إستراتيجية إستعمارية قديمة

توظيف مظلومية العرقيات والأقليات الثقافية أو حتى الطائفية وغيرها من أبرز الإستراتيجيات التي تعتمدها القوى الاستعمارية مدخلا لتمدّ يدها وتتدخّل في كلّ منطقة تضع عينها عليها. حدث ذلك في أكثر من مكان من العالم ولا يزال يحدث بشكل مفضوح رغم تعارضه مع أفكار من قبيل: إدارة التعددية الثقافية أو “الدولة المدنية”. وفي المنطقة العربية والإسلامية، تتّبع هذه الإستراتيجية بشكل خاص لتأبيد حالة العزلة والانقسام والصراعات البينية، في مشهد شبيه بإعادة إنتاج صراع المماليك، بشكل آخر ربما أكثر اتساعا جغرافيا ومجاليا.

الأكراد في المشرق العربي، والأمازيغ في المغرب العربي، وأخيرا التبو في دول الصحراء.. مشاهد مفضوحة تشكّل إستراتيجيات هيمنة واستعمار، تقوم بالأساس على دعم الأقليات، وبعض العرقيات من أجل هدف أكبر، هو التقسيم وإنتاج الأزمة والصراعات، وبالتالي تأجيل الديمقراطية.

قبل سنوات قليلة، تمّ توظيف الملفّ الكردي في العراق، فكانت النتائج وخيمة. ولاتزال تداعيات المسألة تتالى سواء على العراق أو على المنطقة كلل. واليوم، يُرفع نفس السلاح في وجه تركيا، وسوريا معا، أمّا المستفيد دائما فهو الاحتلال والتدخل الخارجي، وأما الضّريبة فتُدفع من جِلد الأمة برمتها.

 

 

صراع نفوذ فرنسي أمريكي

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الانسحاب من سوريا أجّج صراعا محتدما في المنطقة، وسرّع من وتيرة تشكّل تحالفات غامضة، ومواقف أكثر غموضا، خاصة بعد تسريب مضامين المكالمة الهاتفية بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقولته الشهيرة: “إنها لك”.

قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا أفرز غضبا فرنسيا واضحا، خاصة في ظلّ الاستعدادات التركية الحثيثة لتوجيه ضربة قاسية للأكراد الذين باتوا بدون أي غطاء، بعد مغادرة مدرعات حليفهم الأبرز. وأعلنت فرنسا بوضوح أنه على تركيا الالتزام بضبط النفس، وعدم الإقدام على خطوة التدخل المباشر لتطهير حدودها الجنوبية من التنظيمات الإرهابية الكرديّة، في رسالة جمعت بين تحذير الأتراك من جهة، والتودّد وشراء صداقة الأكراد من جهة ثانية.

الموقف الفرنسي ساهم بشكل أو آخر في إحداث تغير سريع على الموقف الأمريكي من الأكراد. ففي البداية، لم تولِ واشنطن مسألة حمايتهم اهتماما ولم تُبدِ اعتراضا على عملية شرق الفرات التركية، لكنها عادت بعد موقف باريس لتهدّد تركيا بتدميرها اقتصاديا، إثر زيارة فاشلة لمستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون لأنقرة، رفض أردوغان استقباله خلالها.

صراع فرنسي أمريكي واضح على “حماية الأكراد” في ظاهره، أمّا في باطنه، فهو صراع نفوذ في منطقة غنية بالثروات تشهد متغيرات كثيرة، ليس أقلها تنامي النفوذ الروسي، والنفوذ التركي الذي يعتبره الغرب تهديدا له.

 

كلّ أعداء تركيا على طاولة واحدة

ساندت فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الخليجية الثورة السورية بشكل واضح، لكنها دول بعيدة كل البعد عن دفع ضريبة الفوضى التي حدثت في البلاد من جراء الإرهاب وجرائم النظام. فكانت تركيا الدولة التي دفعت الضريبة نيابة عن كل العالم تقريبا، من نواح مختلفة اقتصاديا، واجتماعيا، وأمنيا.

توسّع النفوذ التركي بشكل واضح. وبدأ يظهر حلف المستهدَفين أمريكيا، رغم التناقضات الكثيرة بين مكوناته في عدة قضايا، لكنّ هذا لا يروق لكثيرين، خاصة في منطقة غنية بالثروات الطبيعية تعرف في السنوات الأخيرة نزاعا، وصراع نفوذ متنامٍ.

رغم التنافس الأمريكي الفرنسي بشأن الأكراد، يبدو جليّا أنّ حلفا برمته بصدد التشكل حول أكراد سوريا. حلف يجمع كل المتناقضات تقريبا، بدءا بأمريكا وفرنسا، ثمّ النظام السوري نفسه، بالإضافة إلى محور الإمارات، والسعودية، ومصر، ناهيك عن الكيان الصهيوني. والجامع الوحيد بين هؤلاء، ليس حرصهم على الأكراد، بقدر ماهو حرصهم على توظيف الأكراد ضدّ توسع النفوذ التركي.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.