ثقافة

المشهد الثقافي في تونس بعد الثورة: فضاء منفتح ينقصه التأطير

 

شكل المشهد الثقافي منذ اندلاع الثورة التونسية، فضاء منفتحا منسجما مع مبادئ الحرية، متماهيا مع ظهور طاقات إبداعية شبابية جديدة تسعى لفرض نفسها وإيجاد مكانة قادرة على احتوائها وتبنيها.

 

وقد عرف القطاع تحولات كبيرة، تغيرت بمقتضاها بعض التصورات القائمة على أحادية الرؤية الإبداعية ومدى استيعابها لمتطلبات قصر قرطاج.

فقد كانت أغلب الأعمال المقدمة في شكل ترضيات للعائلة الحاكمة، غير معنية بتوجهات الجمهور التونسي وذوقه الفني، حتى أنها مارست تعسفا على خياراته.

وقد أكد بعض الممثلين من السلسلة الكوميدية الشهيرة “شوفلي حلّ” أن تواصل العمل لمدة سنوات، كان بطلب من القصر باعتبار أن ابن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي،  كان من أشدّ المعجبين بها.

 

 

وقد انقسم المبدعون في تلك الفترة إلى فناني بلاط، غير قادرين على معارضة طلبات النظام وفنانون مجمّدون بسبب آرائهم المختلفة ورفضهم للظهور في شكل بيادق، وآخرون مرفوضون في المشهد كليا بسبب مواقفهم المعارضة للنظام وهم قلة قليلة.

وكان التوجه الإعلامي متماهيا مع هذه السياسة، ورضا القصر، فلا يمر مبدع على الشاشة إلا وكان من المساندين أو الساكتين عن الحق.

وبعد 14 جانفي 2011، عرف المشهد تعددية غير مسبوقة في البلاد، فتحول الفضاء المكبوت إلى عنصر حيوي يمارس نشاطاته خارج دائرة أنت معي أو ضدي.

لكن هذا التعدد لم يتسم بالنوعية المرجوة رغم بعض المحاولات من أجل ترسيخ نظرة إبداعية جديدة من رحم الثورة وكان ذلك بسبب غياب الاستراتيجيات القادرة على تحسين الوضع الثقافي.إضافة إلى انصهار النخبة المثقفة في الصراعات السياسية مما أجهض بعض المشاريع التي كانت قادرة على الارتقاء بالمجال. وأفقدت بذلك مصداقية بعض المثقفين.  

ومثل ذلك منعرجا خطيرا خاصة في ظل غياب الآليات التي كانت من الأجدى توفرها من أجل رؤية ثقافية جديدة مع بروز تحديات أخرى على غرار الإرهاب.

فميزانية وزارة الثقافة منذ الثورة إلى اليوم لم ترتقي إلى المستوى الذي يمكنها من تعزيز المشهد وتفعيل اللامركزية ودعم المشاريع الشبابية ومقاومة ظاهرة الإرهاب.

 

 

وأدى غياب الدولة عن الاستثمار في الثقافة إلى ظهور بوادر خاصة في استيراد مشاريع أجنبية مثل تركيز المركب السينمائي “باتاي”، أو مكتبة “فناك دارتي”، التي تظل فئوية ومركزة في العاصمة علاوة على أسعارها المرتفعة مقارنة بدخل التونسي المتوسط.

ويظل استكمال مشروع مدينة الثقافة التونسية وتهيئتها، أحد أبرز المنشآت الثقافية التي أنجزت في تونس بعد الثورة رغم أن المشروع قديم متجدد لكنه عرف صعوبات كبيرة على مستوى الإحداث بسبب الفساد الذي رافق الصفقة.

ومنذ الثورة إلى اليوم أشرف سبعة وزراء على قطاع الثقافة، وهو عدد كبير، كان سببا في غياب رؤية شاملة للمجال وقدرة على الإصلاح.

فقد حاول بعض وزراء الثقافة على غرار “مهدي مبروك”، إصلاح ما أفسدته الماكينة السابقة في سنوات إدارته بين 2011 و2014، وهي أطول مدة شغلها وزير ثقافة بعد الثورة.

 

 

وكان يهدف إلى  إعادة الحس الفني الراقي لمختلف الأنشطة الثقافية في تونس خاصة المهرجانات التي عرفت انحطاطا كبيرا على مستوى النوعية، لكن ذلك لم يدم طويلا بعد خروجه من الوزارة، التي واصلت إلى حد اليوم سياسة “الجمهور عاوز كده” حتى لا تسجل عجزا في ميزانيتها.

 

وقد عرفت المهرجانات بدورها طفرة كمية، منها الموسيقية والسينمائية والمسرحية والكوريغرافية وفنون العرائس والرقص والشعر، فشملت مختلف الأنشطة الفنية إلاّ أنها لم تحقق النجاح المرجو بسبب ضعف الميزانية المخصصة لها، إلى جانب مركزيتها في مدينة الثقافة.

ومع بروز موجة فنية جديدة اتسمت في غالبيتها بالرداءة، غاب أغلب الفنانين الذين قدموا أعمالا هاما سواء في التمثيل أو الغناء، رحل بعضهم وبقي البعض الآخر يتحسر وينتقد جحود الوزارة وتعييبها لهم.

أما في مجال الكتابة والنشر، فقد عرف المجال تعددية، سجلت فيه العديد من المواهب وجودها، لكنها تشكو من صعوبة النشر وغياب آليات التوزيع وضعف الإقبال على المطالعة، التي بلغت في آخر إحصائية قدمها مدير إدارة المطالعة العمومية 0.58 في المائة.

والتجأت الوزارة في عهد الوزير الحالي محمد زين العابدين، إلى إحداث معرض وطني للكتاب من أجل ترويج العناوين التونسية بالتوازي مع معرض تونس الدولي للكتاب.

كما تم إعلان سنة 2018، سنة وطنية للكتاب، وتم خلالها القيام بمعارض داخل بعض المحافظات التونسية، من أجل إحياء ثقافة المطالعة.

يبدو القطاع الثقافي في ظل هذه التعددية بحاجة إلى بلوغ مرحلة الغربلة والوقوف عند الإيجابيات ومحاولة تجنب الأخطاء السابقة من أجل إرساء سياسة وطنية بعيدة عن “التسيّس”، قادرة على تعزيز المشهد وتأطير الفاعلين فيه، والمرتبط بباقي القطاعات التي لها تأثير عليه.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.