مجتمعغير مصنف

حوار فكري مع الغنوشي في ذكرى الثورة: تثبيت الديمقراطية أهم من الترشح للرئاسة

 

 

في الذكرى الثامنة لهروب الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي تتويجا لعقود من النضال قدّمت خلالها تونس الكثير من التضحيات من أجل مطالب الحرية والعدالة والديمقراطية، وتتويجا أيضا لنحو شهر من الإنتفاض الذي إنطلق عشية 17 ديسمبر 2010 وإنتشر من ولاية سيدي بوزيد برسعة كبيرة في كل أركان وزوايا البلاد، تشهد تونس هذه الأيام فعاليات كثيرة فكرية وثقافية وغيرها.

 

تونس التي إنطلقت منها شرارة الثورات العربية هي نفسها البلد الذي تمكّن من مواصلة مسار إنتقاله الديمقراطي دون غيرها، وهي نفسها البلد الذي جنحت نخبته السياسية نحو إدارة الإختلاف بالطرق والوسائل الأكثر تحضرا بعيدا عن الإنقلابات والتنافي، وهي أيضا نفسها البلد الذي مازال يعطي الدروس في مواجهة الإرهاب وفي التأسيس لدولة العدل والعدالة وفي إفشال أجندات الثورات المضادة المتربصة بالبلاد وتجربتها الوليدة بفضل يقظة وفطنة شعبها.

 

“مسار الثورة بعد حصيلة ثمان سنوات.. رؤية واستشراف” كان عنوانا لندوة حوارية مفتوحة مع رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي نظمها مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية، إفتتحها رئيس المركز وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام وأدار الحوار والنقاش فيها الإعلامي وعضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين محمد اليوسفي وكان النقاش فيها مطولا مع الأستاذ الغنوشي حول جملة من القضايا التي تطرقت إلى تونس كثيرا وإلى قضايا الأمة والمنطقة أيضا.

 

 

في البلد حصلت ثورة

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي قدّم مداخلة جمعت بين السياسي والفكري والإستراتيجي في تناول موضوع الثورة التونسية خصوصا والثورات العربية عموما في سياق الوضع الذي تمر به المنطقة منذ سنوات، مبرزا أن الثورة كانت خطوة ربما هي الأهم والأكثر جسارة من بين خطوات وتضحيات قدّمتها الشعوب للإلتحاق بركب الحضارة والأمم الديمقراطية.

 

يوجد نقاش طويل حول أصل التسمية وحول توصيف ما تلا هروب الدكتاتور زين العابدين بن علي وهو نقاش فيه الكثير من الحرج عادة بالنسبة للسياسيين كلّ حسب غاياته وتموقعه، غير أن الأستاذ الغنوشي تطرّق إلى هذه النقطة من زاوية أخرى تقوم على مقاربة في نصفها مقارنة بين وضعين لا تستقيم من ناحية الخصوصية والمنطق وفي نصفها الآخر نحت فكري لحمولة معنى جديدة لمصطلح “الثورة” وأهدافها وغاياتها.

 

 

تبدو الإجابة السهلة على أن ثورة حصلت في تونس هي وجود الندوة والمتحدّثين فيها أمام الصحف والصحفيين وعدد من النشطاء والأكاديميين دون صنصرة أو رقابة على المحتوى، ولكن المسألة أعمق وأهم من ذلك فصورة الدكتاتورية مازالت راسخة في الأذهان عند التونسيين وكذا مطالب الإصلاح ما تزال تلهج بها الأفواه من أجل تثبيت قواعد الديمقراطية وتحويل الثورة إلى ثروة.

 

 

تثبيت الديمقراطية أهم من الرئاسة

في النقاش مع الأستاذ الغنوشي قام المتدخلون بتقليب وتدوير الأفكار التي طرحها على زوايا وجهات مختلفة خاصة في ظل تواصل أجندات إستهداف الديمقراطية الناشئة من طرف الثورة المضادّة وفي ظل إستمرارية الأزمة الإقتصادية والإجتماعية بالإضافة إلى الأزمات السياسية المتتالية وإقتراب موعد الإستحقاق الإنتخابي القادم.

 

الأستاذ الغنوشي حسم في ندوة مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية الجدل الدائر منذ أيام بشأن ترشحه للإنتخابات الرئاسية المنتظرة نهاية سنة 2019 الجارية بإعلانه عدم تفكيره في الترشح بقدر حرصه على تكريس ثقافة الشراكة وإستراتيجية التوافق في إدارة الشأن العام لتجاوز الأزمات والعراقيل التي تعترض التجربة التونسية.

 

حرية الإعلام والصحافة وثقافة الحوار والتوافق إلى جانب تنزيل الدستور الجديد الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي والسير نحو إرساء الهيئات الدستورية إلى جانب دعوة الأحزاب إلى التنافس على برامج ومشاريع في خدمة التونسيين يكون التصويت على أساسها لا على أساس كل أشكال الإستقطابات الأخرى مثل أبرز النقاط التي حرص رئيس النهضة على إبرازها، إلى جانب تأكيد ثقته الكاملة في أن التونسيين وحدهم من يحمون ديمقراطيتهم وثورتهم من الثورة المضادة وأجنداتها ومن كل محاولة ترذيل للسياسة والسياسيين.

 

 

الثورة أكرمتني

الأستاذ راشد الغنوشي كان في حوار مباشر خلال الندوة الفكرية مع ثلة من الصحفيين والنشطاء والأكاديميين وإعتبر في ردوده أن الثورة قد أكرمته بالعودة إلى تونس وممارسة السياسة والمشاركة في إنتخابات ديمقراطية بعد سنوات من الملاحقة والتهجير ناهيك عن كيل الإتهامات لكل نفس يعارض النظام المستبدّ.

 

“الثورة أهدتنا فرصة للوجود والنشاط” هكذا اعترف الغنوشي بفضل الثورة والشعب التونسي على كل النخبة السياسية، غير أن ردوده بشأن الثورة والثورة المضادة لم تخل من الطرافة فقد إكتفى ردّا على سؤال حول أجندات الثورة المضادة بالقول “ربي يهدينا ويهديهم”.

 

 

التوافق بديلا للتنافي

في كلمته وفي ردوده على أسئلة الحضور تطرّق الأستاذ راشد الغنوشي إلى أهمية الشراكة في السلطة بعيدا عن منطق الغلبة الذي كان سائدا، مذكرا بأن حركة النهضة كانت سباقة بالتنازل عن السلطة حماية للتجربة الديمقراطية الناشئة، داعيا إلى تثبيت الحوار كآلية للتدافع وإدارة الإختلاف بين كل الفرقاء.

 

وفي نفس سياق الحديث عن التوافق والحوار والشراكة في إنجاز الإصلاحات التي طالبت بها الثورة، توجه الغنوشي بدعوة إلى الجبهة الشعبية للتخلي عن خطاب بث الكراهية والتنافي وتقديم البرامج الكفيلة بتقديم حلول عملية لمشاكل تونس والتونسيين.

 

الأولويات والمحاذير

الأستاذ راشد الغنوشي أكّدأن ملفات التنمية والتشغيل والعدالة الإجتماعية كانت عناوين رئيسية للثورة، مذكّرا بأن تونس قد تمكنت من قطع أشواط مهمة في إنتقالها السياسي، غير أنها مازالت لم تدعمه بخطوات مهمة في الإنتقال الإقتصادي، على الرغم من الشروع في تنزيل الباب السابع من الدستور المتعلّق بالديمقراطية المحلية.

 

الغنوشي شدّد على ضرورة أن يتلمس التونسيون والشباب والفئات المهمشة نتائج ملموسة للثورة على المستوى الإجتماعي والإقتصادي، داعيا إلى تحرير البلاد وطاقاتها ودعم المبادرة الفردية، بما يمكّن من تجاوز عقلية التواكل والتعويل على الدولة في إتجاه التعويل على الذات والإنتصاب للحساب الخاص.

 

رسالة تحذير للشاهد

ومن الأولويات أيضا شدّد الغنوشي على أهمية خيار دعم الإستقرار الحكومي في المرحلة التي تمر بها البلاد، خاصة قبل أشهر من الإنتخابات القادمة.

ووجه الغنوشي رسائل في شكل جملة من المحاذير لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد بشأن ضرورة الفصل بين الحزب والدولة، مذكّرا بأنه تصدّى صحبة الأمين العام السابق للإتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي لرئيس حكومة التكنوقراط مهدي جمعة عندما حاول توظيف منصبه وأجهزة الدولة.

واعتبر زعيم حركة النهضة أن ذلك يمثل تهديدا للإستقرار وللتجربة الناشئة، داعيا الشاهد إلى التركيز على العمل الحكومي وإنجاح الإنتخابات و قطع أشواط في الإصلاحات الكبرى المنتظرة.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.