اختيار المحررينثقافةغير مصنف

دراما “السقوط  في بئر سبع”: عندما تسقط المرأة في مستنقع الجوسسة المضادة

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

برعت الدراما المصرية في تقديم قصص الجوسسة والتي كان أبطالها بعض الذين جندتهم المخابرات المصرية للتجسس على العدو الصهيوني.

 

ورغم أن بعض النقاد يرون في هذه القصص الكثير من المبالغات وتهويل لدور ضباط المخابرات مقابل تهوين أو الإستهانة بالآخر الصهيوني وتقديمه دوما في مظهر الغبي الذي تسهل السيطرة عليه وبالتالي يسهل إختراق أجهزة مخابرات العدو إلا أن هذه الأعمال لقيت نجاحا منقطع النظير.

 

ومن أشهر الأعمال التي تحتفظ بها ذاكرة المشاهد العربي مسلسل رأفت الهجان الذي قدمه الفنان الراحل محمود عبد العزيز ويسرا ويوسف شعبان وعفاف شعيبفي إخراج ليحي العلمي وعن قصة حقيقية كتبها صالح مرسي. ثم  مسلسل  دموع في عيون وقحة الذي قدمه الفنان عادل إمام وكتبه مرسي أيضا عن قصة من ملفات المخابرات أخرجها يحي العلمي أيضا.

 

 

 

كما قدمت الدراما المصرية حرب الجواسيس عن قصة حقيقية أيضا موضوعها الجوسسة قدمتها الفنانة منة شلبي مع هشام سليم  وقد قام بالإخراج نادر جلال عن قصة لصالح مرسي وتناولت قصة جاسوسة مصرية.

والحقيقة أن مثل هذه الأعمال مفضلة لصناع الدراما ولجماهيرها أيضا.

 

 

ولكن هل يمكن الحديث عن الجوسسة المضادة؟

وهل أن مصر وحدها نجحت في إختراق أسوار العدو من خلال إرسال جواسيس  إلى الكيان الصهيوني ونقل المعطيات من داخله؟

أم ان الكيان الصهيوني نجح هو الآخر في تجنيد جواسيس من مصر وتمكن من أن يلحق بهذا البلد ضربات موجعة بسبب المعطيات التي نقلها هؤلاء المجندين إليه؟

 

بقدر ما حفل تاريخ مصر بجواسيس أرسلتهم المخابرات إلى العدو بقدر ما كان العدو أيضا يعمل بنفس الأسلوب ولعل قضية أشرف مروان التي إنفجرت بعد رحيله بشكل غامض في لندن كشفت ملابسات عمله في سلك الجوسسة مع الصهاينة رغم أنه كان صهر جمال عبد الناصر وكان من المقربين منه جدا ولم يكن يدر بخلد أحد أن   زوج إبنة الرئيس  يمكن أن يكون جاسوسا.

كما أنه في عديد المرات تم القبض على جواسيس من الذين جندتهم إسرائيل وأغرتهم بالمال من أجل العمل لفائدتها.

وفي هذا الإطار يمكن القول إن مسلسل السقوط في بئر سبع ينتمي إلى عينة من الأعمال النادرة التي سلطت الضوء على الجوسسة المضادة أو إختراق الكيان الصهيوني للمخابرات المصرية وتجنيد بعض المصريين لفائدتها كما أن هذا العمل يرصد عمل المرأة في مجال الجوسسة.

 

فما هي حدود القائمة بين الخيال والواقع في مسلسل السقوط في بئر سبع؟

من المعروف أن مسلسل السقوط في بئر سبع قد تم تصويره عام 1994 أما أحداثه فتدور في الفترة الممتدة ما بين عامي 1967 وهو عام النكسة أو الإنكسار الكبير الذي عاشه الجيش والشعبي المصري جراء هزيمته النكراء أمام العدو الصهيوني ثم عام 1973 تاريخ حرب العبور أو إنتصار الجيش المصري وإستعادة سيناء.

 

 

وطبعا تدور الوقائع عن الجوسسة عموما أو حرب الجواسيس التي إزدهرت في تلك المرحلة التاريخية بين مصر وإسرائيل.

نقل المسلسل عن رواية إبراهيم وإنشراح للكاتب عبد الرحمان فهمي. وأخرجه المخرج الراحل نور الدمرداش الذي توفي أثناء تصوير العمل وقد قام بأدوار البطولة فيه كل من إسعاد يونس وسعيد صالح وعبد الرحمان أبو زهرة وحنان ترك وأبو بكر عزت وطارق لطفي.

وعمد السيناريو إلى إبراز كيفية الإيقاع بالجاسوسة إنشراح موسى وشريكها الجاسوس إبراهيم شاهين، مؤكدا على خطورتهما البالغة.

 

 

هذا عن العمل الدرامي أو القصة الواقعية فهي تقوم على تفاصيل كثيرة تقود إلى سقوط أسرة مصرية في بئر الخيانة. وكانت البداية مع إنشراح علي موسى المصرية المنحدرة من محافظة المنيا، وهي أم ثلاثة أطفال إنقلبت حياتها رأسا على عقب في فترة الستينات، وتحديدا عام 1966 عندما سجن زوجها إبراهيم شاهين لمدة ثلاثة أشهر بسبب الرشوة. وعانى الرجل من البطالة بعد خروجه من زنزانته فوجدت فيه إسرائيل ضالتها على أساس أنه فريسة ثمينة بعد نكسة عام 1967.

 

 

وتم تدريب هذا العميل في منطقة تسمى بئر سبع وكان عمله يتمثل في بث الشائعات وإطلاق النكات السياسية الساخرة والتوسل بهذا الأسلوب للوصول إلى معلومات أمنية مهمة.

وبفضل جهوده في القيام بهذه المهمة أعيد إلى مهنته أما زوجته إنشراح فقد تم نقلها إلى القاهرة وتم تمكينها من منزل بحي المطرية قبل أن تنتقل إلى حي الأميرية. وقد تعلمت إنشراح الكتابة بالحبر السري وتدربت هي الأخرى على جمع المعلومات وللتغطية على الثراء الذي بات ينعمان فيه كانا يشتغلان في مجال بيع الملابس والأدوات الكهربائية.

 

 

وفي العام الموالي للنكسة سافر الزوجان إلى لبنان ثم إلى إيطاليا حيث إلتقيا بمندوب المخابرات الإسرائيلية هناك وهو الذي تولى منحهما وثائق سفر مزورة بأسماء ليست لهما. لينطلقا في إتجاه الكيان الصهيوني وهناك تسنى تدريبهما على السلاح وعلى جمع المعطيات العسكرية والأمنية وعلى التصوير وأمكن لهما الحصول على رتبتين عسكريتين.

وعاد الزوجان إلى مصر بعد أن باتا من الأثرياء وإتسعت دائرة معارفهما كما توسعت تجارتهما وإقتربا خاصة من كبار الضباط ونسجا علاقات كثيرة، كما عمل الأبناء الثلاثة مع والدهم ووالدتهم في مجال الجوسسة وتمكنوا من الحصول عل معطيات من أبناء الضباط من أصدقائهم.

وفي عام 1972 حاولت إنشراح التراجع عن عمل الجاسوسة وطلبت من مجنديها ذلك عندما إلتقت بمندوب عنهم في اليونان لكن ذلك لم يتم، بل على العكس تدعم عملها وعمل زوجها في تلك الفترة وخاصة بعد حرب أكتوبر 1973.

 

 

وتم منح زوج إنشراح لاقطا لاسلكيا متطورا جدا يتمكن من إرسال المعطيات عبر الذبذبات الصوتية.

وحدث ما لم يكن في الحسبان بعد أن تم المخابرات المصرية بفضل صائد ذبذبات متطور كشف عملية الجوسسة وتم القبض على إبراهيم وإبنائه عندما كانت إنشراح تقوم بمهمة في إسرائيل حدث ذلك في صيف عام 1974.

وبعد حوالي 20 يوما عادت إنشراح ليقبض عليها وصدر حكم بالإعدام على الزوج والزوجة والسجن للإبن الأكبر وتحول الولدين الصغيرين إلى محكمة الأحداث.

هذا ما تقوله الوقائع الرسمية التي تؤكد إعدام إبراهيم شنقا  في جانفي يناير عام 1977 وتتضارب الأنباء بشأن شنق إنشراح.

 

فما  هو مصير أشهر جاسوسة مصرية جندتها إسرائيل ضد بلدها؟

جواب هذا السؤال جاء في صحيفة إسرائيلية وذلك في خريف عام 1989 عندما أعلنت أن الجاسوسة المصرية لم تعدم وان السادات أمر شخصيا بتأجيل إعدامها ثم صدر عفو رئاسي عنها لاحقا. وسافرت إلى إسرائيل مع أبنائها وتحصلت على الجنسية هناك ثم إعتنقت اليهودية وغيرت إسمها وأسماء أبنائها.

 

 

وإبتداء من تلك الفترة أصبحت دينا بن ديفيد عاملة في ما يعرف ب ” الحمامات العمومية ” وقع ذلك في الوقت الذي كان فيه الحديث يدور عن توبتها بعد خروجها من السجن بعفو رئاسي لكن الحقيقة هي أنها فرت خارج مصر لتلقى مصيرا مشؤوما في داخل الكيان الصهيوني وهي التي باعت بلدها.

والغريب حقا أنه رغم ما حدث لها بعد أن عملت لصالح اسرائيل والتجاهل الذي لقيته إلا أنها وفي حديث صحفي لإحدى النشريات داخل الكيان الصهيوني عبرت عن عدم ندمها مما إقترفته إزاء بلدها، دون أن تنسى أن تعرب عن تبرمها من التجاهل ونسيان فضلها وفضل زوجها الذي تعترف أنه أعلم السلطات الإسرائلية بتفاصيل عن حرب أكتوبر قبل وقوعها.

هي قصة إنشراح التي تناولتها الدراما ولكن الحقيقة كانت أغرب من المتخيل في حكاية هذه المرأة التي باعت نفسها للعدو بثمن زهيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.