ثقافةغير مصنف

The guilty: فيلم بوليسي فريد من نوعه‎

This post has already been read 21 times!

 

 

من أبرز الأفلام الّتي صدرت في السنة الماضية، الفيلم الدانماركي “The guilty” الّذي مثّل مفاجأة سارّة لعشّاق سينما التشويق والإثارة، لقوّته وفرادته على مستوى السيناريو واللغة السينمائيّة وجمعه بين القصّة البوليسيّة المشوّقة والعمق الفلسفي الّذي يتميّز به.

 

تدور أحداث الفيلم في مكان مغلق (Huis clos)، وهو قاعة استقبال الاتّصالات لشرطة النجدة في العاصمة الدانماركيّة كوبنهاغن، أين يعيش الشرطيّ آسغر (Jacob Cedergren) قصّة عصيبة ومثيرة، تدوم ساعة ونصف، لكنّها ستغيّر مجرى ليلته وربّما حياته إلى الأبد. فزمن الفيلم أيضًا هو زمن حقيقيّ، أي أنّه يصوّر ساعة ونصف لشرطيّ أثناء عمله، لكنّ في هذه المدّة القصيرة من الزمن يعيش مغامرة مكتملة الأبعاد، امتحانًا صعبًا لا يعترض الإنسان سوى مرّات قليلة في حياته، لكنّه يترك أثرا كبيرًا لا يمحى.

 

بمكان واحد وببطل واحد نشاهده على الشاشة، يمنحنا المخرج غوستاف مولر (GUSTAV MÖLLER) فيلمًا مشوّقًا إلى أبعد الحدود، مختلفًا عن أفلام الإثارة المعهودة بهذا الشكل الّذي جاء عليه وبمضمونه الفلسفي العميق الّذي يناقش مفهوم الخطيئة، وبذلك لا يمكن أن نقول عن هذا الفيلم أنّه مجرّد فيلم بوليسي جيدّ، بل هو فيلم فلسفي بالأساس يمكن قراءته على عدّة مستويات.

 

لكنّ حضور آسغر لم يكن مهيمنًا في الفيلم رغم أنّ عين المتفرّج لا يبرح الكادر طيلة تسعين دقيقة، فقد خلق المخرج مولر رفقة شريكته في الكتابة، السيناريست إيميل نايغارد ألبرتشين (Emil Nygaard Albertsen) بطلة أخرى لا توجد في الكادر البصري، لكن حضورها الصوتي ساهم في تطوّر البناء الدرامي وتعقيده ومن ثمّ انفراجه، وهي إيبن (Jessica Dinnage)، امرأة يظهر منذ البداية أنّ زوجها قام باختطافها، فتهاتف قاعة الطوارئ لشرطة النجدة، ومن هنا تبدأ ليلة آسغر العصيبة والمثيرة، فهو من جهة يحاول إنقاذها، لكنّ قلّة المعلومات الّتي تمدّه بها عبر المكالمات الهاتفيّة نظرا لحذرها الشديد، خوفا من أن يسمعها زوجها المختَطِف الموجود في السيّارة نفسها.

 

 

ولإيجاد هذه السيّارة ومعرفة بعض التفاصيل حول هذه القضيّة، لا سبيل أمام الشرطيّ آسغر سوى الهاتف، ومع كلّ مكالمة جديدة يتّجه الفيلم بأكمله في مسار آخر غير الّذي ينتظره المشاهد. ولذلك فإنّنا لا نرى أحداث الفيلم حقّا، بل نسمعها ونرى وقعها على وجه الشرطيّ آسغر وجسده.

 

إنّنا أمام فيلم يجعلنا نتخيّل المشاهد حسب تصوّرنا الخاصّ، ونتخيّل الأبطال الحاضرين عبر أصواتهم فحسب، وكلّ ما نراه ليس سوى انعكاس لما نتخيّله. وهذا ما يعود بناء إلى مقولة أساسيّة في الفنّ، فهو “لا يجعلنا نرى كلّ شيء، بل يُحلِمنا بكلّ شيء”. ولم يكن هذا الاختيار عبثيًّا وإنّما نابع من قناعة المخرج غوستاف مولر  الّذي يؤمن بأنّ ما هو خارج الكادر (Hors champs) ليس أقلّ أهمّية ممّا هو داخله، بل قد يكون أكثر أهميّة منه. وفي فيلم The Guilty ساهمت كلّ العوامل الّتي اختارها المخرج والسيناريست، على بلورة هذه القناعة بشكل مكتمل وجذّاب.

 

 

لقد أبدع المخرج مولر والسيناريست ألبرتشتاين في كتابة السيناريو، بأن جعلا التشويق إلى أقصاه عبر إدراج المعلومات قطرة فقطرة، فيصيب المتفرّج الفضولي ظمأ شديد لفكّ الغموض عن قضيّة الاختطاف في الفيلم، لكنّ كلّ معلومة تخلق مجالا أكبر للتأويل وغموضا أشمل، فيزداد الغموض أكثر، ويشاركنا البطل آسغر في هذا الشدّ والجذب بين النصف المظلم والمضيء للحادثة، وكأنّه ليس فاعلا في الأحداث بل متفرّج هو الآخر.

 

يقوم البناء الدرامي على ورود المكالمات الهاتفيّة، وهذه المكالمات تساهم في تعقيد الأحداث، فمحتواها لامتوقّع ومثير ومفاجئ, وإضافة إلى أنّ الشريط الصوتي كان حضوره قويًّا في الفيلم كعنصر ساهم في تماسك البناء السردي والفنّي للفيلم، فقد وظّفه المخرج لبلورة الفكرة الرئيسيّة للفيلم: فكرة الخطيئة والضمير، فمع مرور الزمن يصبح لرنّة الهاتف وقع مدوٍّ على الشرطيّ آسغر، المذنب والواقع تحت وطأة الضمير، وكأنّ الهاتف يصبح داخليًّا، أي شيء مّا في روحه يهاتفه ويؤنّبه ويجادله. وفي المشهد قبل الأخير، في آخر مكالمة له مع إيبن، ينهار آسغر، ويجلس على كرسيّه كمن يجلس على كرسيّ الاعتراف، ليصرخ: كلّنا خطأة!

 

ولا عجب في أن يكون صوت رنين الهاتف هو أوّل الأصوات في الفيلم، به تندلع شرارة الدراما الأولى, أمّا المشهد الثاني هو لقطة مقرّبة جدّا من أذن البطل بصدد وضع سمّاعته. وفي هذين المشهدين الأوّليْن إيحاء بأنّ السماع سيكون بطل الفيلم دون منازع؛ وستكون هذه الليلة فرصة لآسغر بأن يستمع إلى صوته الداخلي من خلال سماعه لمأساة إيبن.

 

 

من الواضح، منذ المشاهد الأولى، أنّ عمل آسغر ليس تلقّي المكالمات الهاتفيّة في غرفة عمليّات شرطة النجدة. فعندما كان الناس يتّصلون لطلب المساعدة، كان يسخر منهم ولا يبالي بوضعهم الدقيق والحرج جرّاء تعاطيهم المخدّرات أو تواجدهم بالمواخير في أحد أحياء العاصمة كوبنهاغن الّتي تنتشر فيها الدعارة.

 

وقد أبدع الممثّل جاكوب كيدريغرين في النصف الأوّل من الفيلم في تجسيد شخصيّة الشرطيّ آسغر بطريقة مختلفة تمامًا عنها في النصف الثاني منه. ففي المشاهد الأولى، يظهر آسغر كشرطيٍّ صعب المراس ومتخلّق ومفعم بروح المسؤوليّة، شخص يعرف جيّدا الفرق بين الصواب والخطأ، لكن نلاحظ أنّه من السهل إغضابه وأنّ هناك وجهًا خفيًّا له، حين ردّ بعنف على سؤال صحفيّة اتّصلت به عبر هاتفه الخاصّ لتسأله عن قضيّة سيتمّ البتّ فيها صباح يوم الغد. ومن هنا يتأكّد أنّ آسغر هو شرطي ميداني وعمله في غرفة الطوارئ هو عمل وقتي في انتظار الحكم في قضيّة مرفوعة عليه.

 

كلّ هذا هو تحضير للحدث الأساسي،  يرنّ الهاتف مجدّدًا ولكن هذه على الخطّ ليس شخصا مثمولا بل سيّدة في وضعيّة حرجة ودقيقة، قد تغيّر مجرى ليلة آسغر المريحة وربّما ستغيّر حياته إلى الأبد، والشرارة الأولى للتغيير هو التعاطف. المتّصل هي إيبن. وللوهلة الأولى يظهر أنّها أخطأت الرقم لأنّها كانت تكلّم ابنتها الصغيرة، لكنّ آسغر يفهم سريعا أنّها تكلّمه بطريقة مشفّرة، وتريد إفهامه أنّها في مشكل دون أن تصرّح بذلك، وهو يحاول مساعدتها من خلال طرح أسئلة إجابتها تكونم بنعم أو لا. ويكتشف أنّ إيبن في سيّارة يقودها زوجها السابق إلى مكان دون إرادتها.

 

 

وهنا يظهر الجانب الخيّر والطيّب في آسغر، حيث يبذل جهدا كبيرا في تحليل المعلومات وربطها ببعضها لإيجاد استنتاجات صحيحة ينقذ عبرها المرأة. في هذا الوضع الدقيق والحرج، يبدأ آسغر في تجاوز صلاحيّاته المهنيّة للقيام بفعل صائب كي ينقذ المرأة، على عكس تصرّفاته في بداية الفيلم حيث التزم بسخرية مبطّنة من المتّصلين واكتفى بالتصرّف حسب ما يسمح به القانون، وبطريقة بيروقراطيّة مقيتة. ورغم أنّ تعاطفه يظهر وكأنّه نابع من ظرف المرأة الصعب، إلّا أنّ إصرار آسغر وتوتّره قد يكون خلفه دافع آخر أكثر قوّة.

 

ويتصاعد التشويق إلى ذروته، لنكتشف في النهاية مقتل رضيع ايبن، وتتّجه الشكوك إلى زوجها الّذي يختطفها، ويسابق آسغر الزمن لإنقاذ المرأة. وشيئًا فشيئًا يختفي وجه آسغر الّذي ظهر في أوّل الفيلم، ليظهر وجه مختلف تمامًا، مثير للشفقة وعاطفيّ إلى أبعد الحدود، وكأنّ روحه مرتبطة بمصير هذه المرأة الّتي لا يعرفها. ومن هنا يتسرّب إحساس بأنّ هناك شيء غامض، أكبر من التعاطف أو الإشفاق.

 

مشهد للشرطي آسغر في النصف الثلاني من الفيلم

 

وفي الجهة المقابلة، وحسب ما يصل إلى المشاهد عبر المكالمات الهاتفيّة، يزداد الواقع غموضًا وإثارة، ويدخل المتفرّج رغما عنه في لعبة الاحتمالات، يشعر بالقلق الّذي يتسرّب إليه من صوت إيبن (الّذي أبدعت في أداء شخصيّتها الممثّلة جيسيكا ديناج، حتّى تكاد تستشعر من صوتها فحسب حضورها القويّ والساطع، كأنّها داخل كادر الكاميرا أكثر من آسغر نفسه في أغلب الأحيان)، وحتّى آسغر نفسه، يصبح بطلًا/متفرّجًا، ينتظر مثلنا سير الأحداث وكلّ جديد تحمله سمّاعة الهاتف.

 

النهاية مدوّية وصعبة، يكتشف فيها آسغر أنّ إيبن ليس مجنيًّا عليها بل مذنبة، وحين تشرع في الانتحار كعمل أخير للتكفير عن ذنبها، ينهار على كرسيّه، كمن يجلس على كرسيّ الاعتراف ويخبرها بأنّها ليست وحدها مخطئة، فهو أيضًا مذنب، ويخرج صوته الداخليّ في سمّاعة الهاتف: “لا تنتحري. كلّنا خطّاؤون. أنا أيضًا قتلت شابًّا أثناء عملي. لا أعرف لمَ قتلته؟ كان يجب أن يموت”.

 

في النهاية، نكتشف فحوى القضيّة المرفوعة عليه، وأنّه أقنع زميله  في العمل بأن يشهد زورًا لصالحه! إنّه الضمير الّذي ظلّ صوته موؤودًا في أعماق روحه، ليخرج هتافه وصراخه، بعد ليلة طويلة من المعاناة النفسيّة. ويظهر في النهاية، أنّ إصراره على إنقاذ إيبن ليس سوى محاولة لاواعية للتكفير عن إزهاقه لروح بشريّة كان مسؤولًا عن حمايتها. لكنّ مع المفاجأة المدوّية صادفته آخر الفيلم، انهار تمامًا، وبانهياره تحطّمت كلّ الحواجز أمام الهاتف الأكثر خطورة، هاتف ضميره المقموع؛ ولم يجد بدًّا سوى أن يرفع السمّاعة ويعترف!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.