اختيار المحررينثقافةغير مصنف

رواية منازل الوحشة لدنى غالي: حياة خالية من المتعة لإمرأة داخل شرنقة الخراب 

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

 

هل يستطيع الإنسان مواجهة عالم يوغل في الوحشة والتوحش وحيدا؟ وهل تتضاعف هذه المشاعر وتصبح أشد قسوة عندما تتعلق بالأنثى التي غالبا ما ينظر إليها على أساس أنها الكائن الأكثر هشاشة؟

 

هذه الأسئلة تعصف بالقارىء وهو يطالع رواية منازل الوحشة للكاتبة العراقية دنى غالي التي يعتبرها بعض النقاد فتحا في مجال الرواية العربية عموما والرواية النسائية على وجه الخصوص.

 

ويمكن تصنيف هذه الرواية  ضمن الأدب النفسي ذاك الذي يغوص في ما يمكن تسميته ب ” سيكولوجية ” الفرد و يعري مشاعره العميقة. فنحن إزاء رواية تقول الكثير وهي ذات حمولة عاطفية كبيرة تتراوح بين الخوف والوحدة والقلق والتوترات التي تعتري النفس البشرية.

وذلك من خلال علاقة شائكة بين أم وإبنها زمن الحرب والحصار أي خلال المرحلة التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق والفترة التي تلته.

وتحاول البطلة  التي لا نعرف لها إسما في رواية منازل الوحشة أن ترمم الخراب الذي إستوطن نفسها جراء الظروف القاسية التي مرت بها في بلد مرت عليه فترات عصيبة من الحصار والغزو والحرب والدمار، وبالتوازي مع ذلك تسعى جاهدة الى ترميم بيت تداعى للسقوط بفعل عوامل التدمير التي لحقت بالبلد.

وهنا يتخذ الترميم معاني رمزية ومعاني حقيقية ملموسة وفيه مراوحة بين المرأة والوطن بين بغداد وهذه الأم ويتم احيانا الإنصهار بينهما بشكل يصعب التفريق بين الأنثى والمدينة.

وقد اختارت الكاتبة ان تدور وقائع روايتها في هذا البيت المتداعي للسقوط الذي يقع في مكان قصي من هذه المدينة التي تعيش واقعا مأزوما.

وتختار الساردة ان تجعل إطلالتها على عالم المدينة الكبيرة من خلال نافذة صغيرة تشرف على البيوت المتلاصقة وعلى ما يحدث في بغداد من ضجيج الحرب ودمارها وصخب الحياة اليومية المستمر رغم كل شيء.

وما بين أسعد زوج الساردة الذي يعيش عطب الحرب وما بين سلوان الشاب الذي يحمل داء لا دواء له وما بين النافذة التي تأتي بالعالم الخارجي إلى هذه الأنثى التي تعيش أسرها تتراوح الأحداث القاتمة والرتيبة والموغلة في الوحشة كما إختارت لها الكتابة عنوانا معبرا.

وفي ظل حالات الخوف وإنعدام الشعور بالأمان تلجأ الساردة مثل أغلب سكان بغداد إلى التقوقع على ذاتها وداخل جدران بيتها المتداعي للسقوط محاولة رصد ما يحدث في الشوارع من خلال النافذة. ويقودها هذا التقوقع إلى حالة من الإغتراب الروحي .

ومن خلال النافذة تكتشف بطلتنا عمق التحولات التي مست المجتمع وهو يتغير أمام عينيها على نحو سريع ولافت. وهنا تأتي أزمة البطلة التي لم تتمكن من إستيعاب التغيير الكبير الذي مس الأهل والأصدقاء والجيران والأحباب.

 

 

 

 

وتنقسم التغييرات إلى قسمين تغيير يجعل البشر يخافون ويفتقدون الأمان ثم يختارون البقاء داخل شرنقتهم بعد أن فقدوا ثقتهم بالآخرين. وتغيير ثان يجعل البشر يتلونون ويفقدون الكثير من القيم والفضائل . وتجد أم سلوان بطلتنا نفسها مجبرة على المقاومة بطريقتها وهي التي إختارت الإنعزال ورغم الوحشة التي تحاصرها فإنها ما تفتأ تحلم بجنتها المفقودة وسعادتها الراحلة وببغداد التي كانت قبل أن يغزوها تتار العصر الحديث ومغول زمن العولمة.

ولعل أهم ميزات هذا النص الروائي الجميل هو تفنن الكاتبة دنى غالي في كتابة موغلة في الجمال وأسلوب عذب لتجتهد في التعبير عن الحياة البغدادية التي باتت خالية من المتعة.

وإذا كان المجتمع الشرقي جعل النافذة إختزالا لعالم الأنثى التي تطلع من خلالها إلى الخارج محتفظة بعالمها الحميمي بعيدا عن الأعين فإن النافذة تصبح هنا بمثابة انقطاع عن العالم الخارجي الذي يفصلها عنه بون شاسع وهي تقارن بين زمنين متباعدين.

وإمعانا في نقوقعها داخل الشرنقة تبدو الساردة خائفة من العالم الخارجي المعادي لها خاصة بعد تعرض زوجها أسعد إلى الإختطاف والتعذيب خلال الحرب وهو ما جعله إنسانا معطوبا كما تقول حتى بات بمثابة ” الجماد المتحرك إنسان بلا روح”.

وتذهب الرواية بعيدا في التشاؤم من خلال شخصية سلوان الشاب الذي يفترض أنه يحمل بارقة الأمل في المستقبل ولكنه لا يبدو كذلك بإعتبار أنه يبدو تائها وفاقدا للبوصلة متذبذبا ومتمردا ويشعر باللاجدوى.

 

ويذكر أن الكاتبة العراقية دنى غالي مولودة بالبصرة عام 1963 وعاشت طفولتها وشبابها في هذه المدينة حيث تلقت تعليمها هناك وتخصصت في مجال الزراعة بعيدا عن الأدب .

وهاجرت مثل العديد من العراقيين بعد حرب الخليج الثانية لتستقر في الدانمارك منذ عام 1992 .

وقد إشتغلت في مجال الترجمة الأدبية في المكتبة الملكية بكوبنهاغن وأصدرت العديد من القصص والروايات المترجمة باللغتين العربية والدانماركية.

حدث ذلك قبل أن تنشر أول رواية موقعة بإسمها وهي النقطة الأبعد التي رأت النور عام 2000 ثم أصدرت روايتها الثانية عندما تستيقظ الرائحة عام 2006 .

وفي مجال القصة القصيرة كتبت دنى غالي حرب نامو ثم حديقة بعطر رجل والسأم يتلون. وقد جعلت هذه الكاتبة من معاناة الإنسان العراقي وتحديدا المراة العراقية التي عانت ويلات الحرب والدمار  محاولة تسليط الضوء  على التحولات التي طرأت على المجتمع خلال العقود الأخيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “رواية منازل الوحشة لدنى غالي: حياة خالية من المتعة لإمرأة داخل شرنقة الخراب ”

اترك رداً على منى الحسيني إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.