منوعاتاختيار المحررينثقافة

بيرم التونسي..صاحب المسلة والخازوق وزجّال الست.. في الذكرى 58 لوفاته

 

 

لم يكن حفل حديقة الأزبكية، في 5 يناير/جانفي 1961 والذي تقاطر الجمهور لحضوره – فالست أم كلثوم هي نجمته- بالحفل العادي، ففيه أبّنت أم كلثوم ثاني أحد أهم الشعراء الذين طبعوا مسيرتها الغنائية طوال عشرين عاما.

بكت “الست” لكنها قررت أن تقدم التحية الاخيرة لزجّالها المفضل، لمن غيّرت كلماته السهلة والبسيطة مسار فنها وصنعت لها قاعدة شعبية واسعة بفضل سلاسة أشعاره، فشدت حينها” تشوفه يضحك وفي قلبه الأنين والنوح.. عايش بلا روح.. وحيد.. والحب هو الروح.. حبيب قلبي وقلبي معاه.. بحبه في رضاه وجفاه.. أورّيه الملام بالعين.. وقلبي على الرضا ناوي.. بيجرح قد ما يجرح.. ويعطف تاني ويداوي”، كانت تلك قصيدة  “الحب كدة” ، ولم تكن هناك كلمات أبلغ لتلخيص حياة شاعر عاش منفيا مهجٍّا بين بلديه مصر وتونس، ولم يهنأ طويلا بثمار تعبه بعد استقال يوليو، فلم يكد يمنح الجنسية المصرية سنة 1960، حتى نوفي بعدها بسنة واحدة. إنها قصة رحلة بين المهجرين وفؤاد شاعر يبحث عن وطن في الكلمات.

 بيرم التونسي.. مصري

لقّبت عائلة بيرم بالتونسي لكون أجداه ينحدرون من تونس، لكه يعتبر نفسه مصريا صميما، رغم عدم حصول عائلته على الجنسية المصرية، فقد ولد في الاسكندرية في 3 يوليو/جويلية 1893، في حي الأزاريطة وتربى بين الازقة الشعبية المتاخمة للبحر في عائلة كبيرة العدد مضطربة الأواصر، فقد تزوج والده 3 مرات ، بينما لم يتم عامه 17 حتى توفيت والدته ما ترك في نفسه عدم استقرار وحنين دائم نحو مرفأ آمن.

عرف بيرم المنفى مبكرا، بعد ان هاجم في مقالة له زوج الاميرة فوقية، ابنة الملك فؤاد، بمقاله الشهير “لعنة الله على المحافظ”، وسبق أن “تحرش” بكتاباته بالعائلة المالكة برمتها، فقد كان له قلم مشاكس حاد الأسلوب، فصدر قرار بإبعاده لتونس، لكنه لم يطق العيش هناك فالملاحقات والتضييقات تواصلت، فلم يستطع صبرا، وعاد إلى مصر تحديدا إلى بورسعيد متخفيا داخل سفينة تجارية، وهناك واصل نشر كتاباته الساخرة من القصر والاحتلال، وتعرف علي سيد درويش، ليكتب  له أول قصيدة وطنية، وفي تلك الفترة اشتعلت ثورة 1919 ليجند بيرم قلمه لمساندة الثورة ويصدر جريدة “المسلة” التي حظيت حينذاك بقبول شديد من قبل الشعب.

 

الملك فؤاد

 

وقد انتقل بيرم التونسي إلى القاهرة، وقام بتأليف اوبريت جديد بالاتفاق مع سيد درويش ذي مضمون سياسي، وواصل نشاطه في صحيفته لينشر في العدد الثالث عشر قصيدة بعنوان “البامية الملوكي .. والقرع السلطاني” والتي يتحدث فيها عن الملك فاروق. فكان أن صدر قرار جديد بنفيه للمرة الثانية إلى فرنسا هذه المرة.

لم ترحم الغربة الفرنسية بيرم، فاضطر أن يعمل في أعمال يدوية في مصنع للكيمياويات بليون، ثم في مصنع حرير، كما عمل حتى حمالا في الميناء، وهو ما عاد على صحته بالوبال، فنقل إلى المستشفى يعاني من نوبات صدرية حادة، رغم ذلك واصل هجاء العائلة الحاكمة.

دام النفي الثاني لبيرم 15 عاماً، بين عامي 1923 و1938، ذاق خلالها الشقاء والبؤس والجوع أضعافاً مضاعفة، لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن الإنتاج الأدبي.

 

بيرم وأم كلثوم ..اللقاء الأول

 

في 1912 عاد بيرم إلى بورسعيد مرة أخرى، لكن أصبحت له سمعته وشهرته كمناضل فذ ضد فساد الطبقة الحاكمة وتطبيعها مع الاحتلال الانجليزي، فسهل أصدقاؤه تخفيه و هروبه من ملاحقات البوليس الملكي، إلى أن وصلت شهرته لأسماع “الست” فطلبت أن تقابله.

سنة 1941 وخلال أول لقاء بينهما، تم الاتفاق على أن يكتب بيرم التونسي قصائد يلحنها زكريا أحمد، فكانت رائعة “كل الأحبة اتنين اتنين  وانت يا قلبي حبيبك فين”. وبدأت رحلة أم كلثوم مع بيرم التونسي و ألحان زكريا أحمد.

حظيت أم كلثوم إلى جانبها بجبهتين من الإبداع على طرفي نقيض، فأحمد رامي بعمق كلماته و دسمها مع الحان السنباطي قدمت معهما كوكب الشرق طربيات من الوزن الثقيل ، بينما اكتست “طقاطيق” خقفيفة انتشرت كالنار في الهشيم بين طبقات الشعب و أوصلت كلمات و ازجال التونسي إلى أقصى عمق الشعب المصري.

 

رياض السنباطي

 

كان لقاء بيرم التونسي وأم كلثوم نقطة تحول كبرى في حياة الشاعر الكبير، فقد كوّن مع كوكب الشرق وزكريا أحمد ثلاثياً حقّق نجاحاً ساحقاً، وأصبحت مصر كلها تتغنى بكلمات بيرم، في أغنيات باتت علامات مهمّة في مسيرة الطرب العربي: “الأولة في الغرام”، و”أنا في انتظارك”، و”حبيبي يسعد أوقاته”، و”حلم”، و”الأمل”، و”غني لي شوي شوي”، و”الورد جميل”.

 

 

طبّقت شهرة بيرم التونسي آفاق العالم العربي ، فكانت روائعه تلّخص حقبة كلمة من التاريخ المصري الذي عانى فيه أبناء الشعب من تسلط الحكام وجور الاحتلال ، و عكس نهضة فنية بدأت بوصول كوكب الشرق عرش الطرب والغناء العربي، لكنها  خاصة قدمت للعالم  موهبة صقلتها المعاناة والظلم ورهافة الإحساس، ونال عليها الشاعر بيرم التونسي أعظم تكريم – من وجهة نظره- وهو الجنسية المصرية التي قدمها له جمال عبد الناصر تكريما لنضالاته في سبيل تحرير القلم والساعد المصري.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.