منوعاتثقافة

هدى شعراوي رائدة الحراك النسوي في العالم العربي.. عدوة المرأة الاولى

في عشرينيات القون الماضي، ومن أسرة بورجوازية لها جذور عميقة في الحكم المصري، ظهرت ناشطة نسوية كانت من أولى المطالبين بتحقيق فرص المساواة والحياة الكريمة للنساء وطالما  تبنت قضية المرأة كأساس صنعت من خلله مجدا و نفوذا كبيرا حتى في زمن كان فيه الحديث عن المرأة كإنسان  له رأي و كيان مستقل ضربا من الخيال. تلك هي هدى شعراوي مؤسسة الاتحاد النسائي المصري ورائدة الحراك النسوي في العالم العربي.

لكن، ربما سهت شعراوي خلال رحلتها الطويلة في الذود عن حقوق بنات جنسها، عن الالتزام الشخصي بالقضية التي تدافع عنها، أو ربما لم تكن لها القناعة الكافية كي تطبق ما تحاجج به الساسة وتظهر به في الصحف المحلية والأجنبية  في حياتها الخاصة، فكانت هذه الازدواجية في المعايير وزيف المبدئية  سببا في فضيحة مدوية أسقطت قناع النسوية عن وجه شعراوي بعد ان أصبحت طرفا في أول وأشهر قضية إثبات نسب في مصر، قضية “فاطمة سري”.

من هي فاطمة سري؟

ولدت  فاطمة سري بالقاهرة عام ، وبدأت  حياتها الفنية بفرقة الجزايلي و تنقلت  بين الفرق التمثيلية كفرقة الريحاني و بهجت و علي الكسار و لكن لم يذع صيتها إلا في بعض الأوساط ، وقد أسست لنفسها فرقة و لكنها لم تعمر طويلا ، ثم التحقت بفرقة شركة ترقية التمثيل العربي و من يوم اشتغالها بهذه الفرقة بدأت شهرتها تذيع و تزيد حتى عرفتها البلاد كلها ، و كانت رواية صباح أول رواية مثلتها بفرقة الحديقة و كانت سبب مجدها و عظمتها و هي اول مصرية غنّت اوبرا كاملة هي “شمشون ودليلة”، بعد فترة غنت فاطمة سري على ” التخت” و نجحت في هذا النوع من أول حفلة و ظلت تعمل على التخت حتى أحبت محمد بك شعراوي ابن هدى شعراوي رائدة تحرير المرأة في ذاك لوقت

العشق الممنوع..

فاطمة سري رفقة زوجها محمد علي شعراوي

على عادة أصحاب النفوذ والطبقات البورجوازية في ذلك الزمن، كان للسيدة شعراوي، ابنة محمد سلطان رئيس مجلس النواب بعهد الخديوي توفيق حياة اجتماعية  نشطة، وفي إحدى حفلاتها، طلبت أن تحيي السهرة إحدى المطربات الشابات التي أعجبت بصوتها ، تدعى فاطمة سري.

كان الحفل هو الشرارة التي سببت حريقا فبما بعد، فالصوت الشجي لسري، أسر قلب الابن الوحيد للسيدة شعراوي، أطاح جمال سري بقلب محمد علي شعراوي، و بدأت مباشرة في حبط خيوطه ليوقع بقلبها، رغم زواجه من منيرة هانم عاصم حينها، وإنجابه عددا من الأطفال، إلا أن فاطمة تمنعت عليه في البداية، فهي المطلقة التي في كفالتها طفلان، لا ترغب سوى في تأمين حياتهما و العمل لسعادتهما، إلا أن إصرار شعراوي  هزمها في النهاية، فتزوج الاثنان في السر وظنت فاطمة ان قصة حبها ستعمر لكن عمر العشق قصير.

فما إن حملت فاطمة حتى ذعر علي شعراوي، فحملها يعني افتضاح سره و خروج زواجه للعلن ، وهو ما لن تقبله والدته هدى شعراوي،  فبدأ ينصل من زوجته، ويحاول التهرب منها، إلا ان تهديدها له بإجهاض الطفل أجبره على ان يكتب لها إقرارا بزواجه منها، وهي الوثيقة التي ستنقذ قصة فاطمة سري من الضياع.

بعد فترة قصيرة ندم محمد شعراوي على كتابة الإقرار، فتحايل على فاطمة كي تقابله في باريس كي تسلمه الإقرار مع وعود بالاعتراف بزواجهما علنا، إلا ان سري قامت بإعطائه نسخة مزيفة طبق الأصل من الإقرار الذي كتبه، حينها كشف نجل رائدة الحراك النسوي عن وجهه القبيح و تنكر تماما لفاطمة بل وعيّرها بالفسق والفجور و بأنها “عالمة” لا يشرفه  حتى التواصل معها.

المحكمة والفضيحة

أيقنت فاطمة ان الجدل لن يجدي نفعا مع محمد شعراوي، ومع تسرب الخبر إلى الصحافة، ثارت السيدة هدى شعراوي و استشاطت غضبا، لكنها بدل أن تنتصر لقضية فاطمة و تسعى إلى اثبات نسب جنينها، اتخذت طريقا معاكسا، وسعت بكل الطرق إلى رشوة فاطمة  حينا و تهديديها حينا آخر، كي تنقذ ابنها من تلويث “سمعة العائلة”، فلم تكن فاطمة  – في نظر هدى شعراوي- أكثر من عالمة تماما كما وصفها ابنها، و ضربت عرض الحائط بكل المبادئ التي ظلت سنوات تجاهر بها و بنت بواسطتها سمعة براقة كرائدة من رواد حقوق المرأة، كانت لا تزال متشبثة بأفكار عنصرية طبقية.

خلعت هدى شعراوي النقاب  لكنها لم تخلع ترسبات تربيتها البورجوازية ولم يفلح التعليم الراقي ولا  ادعاؤها مناصرة النساء في أن تشفع لفاطمة سري، العشرينية و ام الطفلة “ليلى” حفيدة شعراوي، في أن تحرك ضمير رائدة النسوية في مصر.

و في مارس عام 1927  بدأت المعركة الحقيقية، فنشرت فاطمة سري مذكراتها  في مجلة المسرح الأسبوعية، وكشفت عن المصاعب التي تعانيها بعد وقوفها في وجه عائلة شعراوي و دفاعها عن حقوقها الشرعية، بل ونشرت صورة من إقرار كان يعترف فيه محمد بك شعراوي بخط يده بزواجه عرفياً من فاطمة سري وبأن ” ليلي ” هي ابنته، وشرحت الأسباب التي دفعتها إلى اللجوء إلى القضاء لإثبات زواجها العرفي وأبوة محمد شعراوي للطفلة بعد أن هجرها وتنكر لها، فقد ارتبطا بزواج عرفي لفترة نتج عنه انجابهما لطفلة .

هذه المذكرات والقضية التي تلتها كانت قنبلة الموسم في مصر، فقد كانت او قضية نسب يتم رفعها وظلت في المحكمة حوالي 3 سنوات ، حاولت خلالها هدى شعراوي الدفع بالقضاء لحفظ القضية مستخدمة علاقاتها ونفوذها، بل وذهبت بعض المصادر الصحفية للقول بأن هدى حاولت تلفيق قضية آداب لفاطمة للتأكيد علي سوء سلوكها ، إلا ان المحكمة أثبتت في النهاية نسب الطفلة لمحمد علي شعراوي و صحة زواجه من فاطمة سري، لكنها حكمت أن لا ترى الأم ابنتها بعد ذلك أبدا تم تسليمها لعائلة شعراوي.

فاطمة..الفيلم

سنة 1947، بعد 20 سنة على قضية فاطمة سري، تزدحم قاعات السينما لمشاهدة أحدث أفلام كوكب الشرق أم كلثوم، الذي اختارت بل وأصرت ان تقدم فيه أحداث القصة الشهيرة، بعد ان كلفت مصطفى أمين  بكتابتها و أخرج الفيلم احمد بدرخان، وأحدث ضجة عند عرضه لتطابق أحداثه مع قضية فاطمة سري، فبطلة الفيلم – واسمها أيضاً فاطمة – شابة فقيرة يعجب بها فتحي ” أنور وجدي ” وهو ابن أحد الباشوات ” سليمان نجيب ” ثم يتزوجها عرفياً، بعد أن فشل في إغرائها، يغضب أبوه من هذا الزواج، ويحاول إفشاله بكل الطرق، إلا أن نهايته كانت سعيدة، على عكس المسار الحقيقي للقصة الأصلية والذي استطاعت فيه فاطمة سري ان تكسب معركتها ، لكن بعد معاناة طويلة.

 

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.