مجتمع

في مواجهة حقيقتنا.. نعم نحن عنصريون

 

 

هل التونسيون عنصريون؟ سؤال طرح في عدة محطات تعرض خلالها طلبة أو أجانب من ذوي البشرة السوداء إلى العنف، هذه الحوادث التي لم تصبح في متناول الإعلام إلا بعد تحريره عقب ثورة يناير2011، فقبل ذلك كانت تونس تمتهن صنع واجهة لامعة للتحضر والثقافة والحريات.

 

طبعا التونسيون- مثل كل شعوب العالم عنصريون- بل ويحتكمون على مخزون كبير من العنصرية جعلها لا ترذّل في المجتمع بل تحولت بمر الزمن إلى ممارسة عادية ومقبولة ، لفضيا وسلوكيا.

وتجد العديدين من المنكرين والمستنكرين لوصف المجتمع التونسي بالعنصري، فهم يرون ان هذه الظاهرة قد استثنت تونس – من بين جميع شعوب الأرض- فتكوّن مجتمع متسامح ومتقبل للآخر بطبيعته..

لكن للأسف ليست هذه هي الحقيقة، فعنصرية التونسي لها وجوه كثيرة.

 بيضا ولا زرقا..

تحضر الألوان بقوة في الخطاب المجتمعي التونسي، فبالنسبة لسكان شمال إفريقيا، ممن تميل بشرتهم قليلا فقط للسمرة وتحضر بينهم العيون الملونة والشقرة الشعر والبياض بكثرة، فالمفضل هو الأبيض، بل و توصف البشرة السمراء “بالزرقة” تدليلا على بشاعتها وعدم استساغة العامة لها، فيقال عن المرأة “زرقا مكشردة”  أي بشرتها مائلة للسمرة الغامقة وشعرها أكرد، للتعبير عن بشاعتها وافتقارها لمقومات الجمال.

أيضا يخص التونسيون  ذوو البشرة السوداء والسمراء بمجموعة من الاوصاف التي تحضر بقوة في حوارتهم  وخطاباتهم، “كحلوش، وصيف، مفحّم، مسوّد” صفات تحضر في معجم التحقير والإهانة  للآخر لدى الكثيرين يشهرونها كأسلحة كلامية وقت المعارك، وكلها تدور حول الحط من قيمة السود  ونسبتهم للقبح والقذارة  وانحطاط القيمة.

بمرور الوقت، لم يعد التعيير بلون البشرة غريبا أو مخجلا، بل أصبحت عائلات بأكملها توصم بلونها الاسود، ولا يجد اناس غضاضة في أن يكنوا عائلة “بعيلة الوصفان” و الأغرب أن العائلة ذاتها لا تستهجن الموضوع، فيبدو أن اتفاق المجموعة على وصمها جعلها تتقبل ذلك في سبيل الاندماج في المجتمع.

 

 

السواد والخدمة.. متلازمة ازلية

“حومة الوصفان، العبيد، ” أسماء لأحياء في تونس، أقصيت فقط لكون قاطنيها من ذوي البشرة السوداء،  ولا يشترط أن يكونوا من الطلاب القادمين من إفريقيا السمراء، بل هم سكان البلاد ومنذ القديم، فقط لون بشرتهم حكم عليهم بالتجمع في مكان محدد، ربما كان سابقا حيا للخدم –أيام العبودية والرق- و اتخذه “العبيد ” مساكن يجتمعون فيها بأشباهم بعيدا عن رفض المجتمع لهم.

ارتبط سواد تفوق “الأسياد البيض على “عبيدهم” و رغم إلغاء الرق والعبودية إلا أنها لا تزال تعشش في لاوعي المجتمع إلى الآن.

 

 

 

لا يزال التاريخ الاقطاعي لتونس مخزنا في الذاكرة الجماعية ويحيل إلى صورة الطبقة البرجوازية ذات لون البشرة الفاتح لأنها لم تكن تقوم بأعمال شاقة تعرضها للشمس بينما كان الفقراء ذوو بشرة داكنة لأنهم كانوا يعملون في الأرض طول اليوم،  فالثراء والراحة ورغد العيش اقترن بالبياض والنعومة، بينما تلازم الشقاء والعمل الخشن بلون البشرة الداكن فنفر منه الناس وعيّبوه.

 

ولم تفلح القوانين التي تم سنها او حملات التوعية في اجتثاث الممارسات العنصرية من صلب المجتمع التونسي، فالتحديث القسري للمفاهيم والتقويم الإجباري يجب أن يتبعه تطوير على مستوى تربية النشء  على محاسبة الذات والعودة إلى الأصول الإنسانية التي نوّهت بها النصوص الدينية ودعت إليها الشرائع السماوية، أن الناس سواسية.. والطريق لتحقيق ذلك يبدأ  من الاعتراف بالحقيقة: “نعم نحن عنصريون”.

 

 

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق