مدوناتغير مصنف

المُرحَّلُون من الشغف!

بقلم: حياة بن بادة

 

هي.. حزمتْ حقائبها في سلام، صار جسم مشاعرها بعضلات جنديّ وبمناعة رياضيّ؛ أقوى، لم يعد يضعف أمام لسعات الآلام، كانت آخر اللحظات هناك، على تلك الأرض التي لم تعد تدفّيها، رنّ هاتفها معلنا عن تلقّيها رسالة من أحدهم كُتِب فيها “كانت مثل بيانو في بلد كلّ أهله مقطوعي الأيدي” هذه الجملة الأليمة بصدق كانت متداولة على الصفحات وها هو الدور قد أتى عليها، هي اليوم موجّهة إليها، هي وفقط! شاهدتُ عبراتها كالفلك تجري، كنت أتمنّى أن أراها ترسو عند إحدى المرافئ، منديل ورقي أو حضن دافئ، لكنّها ظلّت تفيض وجميع المصبّات في عطلة!

 

هو.. على غير عادته في هذه المرّة هذّب لحيته ولم يصفّف شعره الغزير، أراده حرّا، متحرّرا من الدهن، محلّقا كطير. ثبّت حقيبته على ظهره وأوصد الباب خلفه، لم يبق شيء بعده، سوى باب مغلق كجميع الأبواب التي طرقها بالأمس، هكذا أخذ يقنع نفسه، لا تلتفت فلا أحد التفت إليك من قبل، لكنّه عند بضعة أمتار لم يصبر، كان الروح؛ هذا المكان الذي قرّر أن يبتر نفسه منه. لا شيء يخسره بعد الآن، فقد اجتاز امتحانات الفشل بتفوّق واطمئنان. اكتفى ببعض الدمعات التي باغتها بمنديله ونادى بجرأة “كلوا وتمتّعوا قليلا إنّكم مجرمون”، لم نعد نريد منها المزيد، هي لكم؛ هذه الأرض بما فيها، هي ذي القضيّة قد وصلت إلى قوافيها! رحل وظلّ عطره يتقفّى أثره.

 

وخلفهم مشيت، كالأم الحنون بكيت، بحثت عنهم بين النفر، سألتهم ما سلككم في سفر؟ قالوا لم نك من المفسدين، ولم نكن نظلم المسكين، وكنّا كلّما حاولوا إطفاء نار الشغف فينا أشعلنا فتيلا وراء فتيل، حتّى أتانا قرار الترحيل، من الشغف رُحِّلنا، وها نحن قد رحلنا.

 

بعيدا طاروا، سربا سربَا، لبلاد يسميّها المنفيّون إليها غربة، وبدأ التحوّل، الساعة الأولى بتوقيتها والعمر الأول، وسيق المرحّلون من الشغف إلى أحضانها زمرا، حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها في وجوههم عزموا أن ينسوا وأن يباشروا الحياة من جديد بما تعلّموا، وبعد عام تغيّروا، فلو رأيتهم لحسبتهم ما تألّموا، لكنّهم تعلّموا، نعم، تعلّموا النسيان!

 

هل أتى على النسيان حين من القهر لم يكن شيئا مقبولا، لكنّه مع موت الشغف فيهم بات مطلوبا، فالنسيان “شكل من أشكال الحريّة” هكذا عرّفه جبران! إنّهم اتّخذوه حمية شعورية، فامتنعوا عن تناول الذكريات، بما فيها من ملاحة ومرارة وسكريّات، وبما فيها من سمّ ودسم، بما فيها من مسكّرات، بما فيها من ظلمات ونور وبما فيها من ظلّ وحرور. إنّهم المرحَّلون من الشغف! إنّهم الممتلئون!

 

يا صديقي، هناك الكارهون وهناك الكارهون كَرْها، الكارهون ظلما، الكارهون غصبا. هناك المحبّون وهناك المحبّون بشراسة، المحبّون بشَغَف، المحبّون بقوة ونهم، وهناك المساكين الذين أحبّوا بشَعَف.

 

كم مرّة شاهدتهم يؤجّلون أحلامك، يمزّقون في الخفاء أعلامك، ينسفون أمنياتك

 

هناك من يحبّ ويتعلّق وفجأة تراه مثقل الخطى، يجرّ قلبه الأزرق، مرتحلا إلى أيّ مكان، عدا ذلك الذي تبعثرت فيه شظايا الشغف ونزفت ذكراها، عدا ذلك الذي في أحيائه عصروا روحه بقطبي رحاها، حتّى لكأنّه لم يلبث في الشغف إلّا عشيّة أو ضحاها، وفي تلك الرقعة من أيّ مكان وحيث لم يدثٍّرك الزمان وجدتك، في أوراقي احتضنتك وبلحاف سطوري دثّرتك.

 

مُرحَّل أنت من الشغف، تسأل أيّان يوم الفرج، هكذا عهدتك، كالسكران تراقصك الممرّات، مرحّل أنت من الشغف ذاك الذي شاهدتك تضع عليه الطلاء عدّة مرّات. لم أكن أعلم أنّنا في الحبّ بحاجة إلى تكوين في الدهن حتى قابلتك، كم كنت خبيرا.. ومع ذلك أخرجوك، وبالذكريات عرّجوك. لم أكن أعلم أنّنا في الحبّ أيضا بحاجة إلى واسطة تحمي بيديها شعلة الشغف من ريح الحياة وكم شاهدتك تكافح لأجل ذلك اللهب، كالنملة تأتي وتذهب، كالأم تشقى وتتعب. لم أكن أعلم أنّنا في الحبّ بحاجة إلى تأمين على الشغف، لم أكن أعلم أنّنا عنه يوما سننصرف. لم أكن أعلم أنّ الروح الرياضيّة ستطال هذا الاشتعال وأنّنا سنرفع الراية البيضاء بروح بيضاء لا يكسوها انفعال!

 

 

 

 

لم أكن أعلم أنّ الشغف هو أطول الأحياء القصديرية عمرا، وأنّ الترحيل سيمسّ سكّانه دون رحمة، لم أكن أعلم أنّهم سيتذوّقون مرارة الطابور والزّحمة. اعتقدت أنّه سيصنّف ضمن التراث العالمي وأنّ محاولات الترميم تكفي لنفخ الروح فيهم يوميا، وأنّ ميزانية الصبر ستكفي، لم أكن أعلم أنّهم سيحالون إلى النفي، لم أكن أعلم أنّ الإبعاد سيكون حتميّا، لم أكن أعلم أنّ الطلاء الأخير الذي اقتنيته سيغدو فحميّا، لم أكن أعلم أنّ إجلاء الغرف كان أبديّا، لم أكن أدرك أنّ قرار الترحيل كان أمرا مقضيا، حتّى شاهدت الحبّ في عينيك عاريا من البريق، وحقائب الخيبة مجدّدا تلقّن رجليك المشي على الطريق، منزوعَ الشغف بدا ذلك الحبّ النحيل، معلّقا كوسادة مجوَّعَة على حبل الرحيل!

 

مرحَّلٌ من الشغف، محمَّلٌ بالخذلان أنت، كأكياس بلاستيكية على الغصون جثت، مجهول من أين أتت، لا وطن تعود إليه، يفتح أزرار صدره ويحتويها بذراعيه، ضائعة كاللّحن العميق في الفضاء، كبئر قديم متقاعد لم يعد يصلح للعطاء. مرّحَّلٌ من الشغف قسرا، متبَّلٌ بالجراح، مملّح بالكفاح، منكسرٌ كسرا!

 

هناك من يحبّ ويتعلّق وفجأة تراه مثقل الخطى، يجرّ قلبه الأزرق، مرتحلا إلى أيّ مكان، عدا ذلك الذي تبعثرت فيه شظايا الشغف ونزفت ذكراها

 

إنّي كلّما أسندتك إلى حروفي وسمعت أنين قلبك يجول بين ألحانها يلتمس منها الأمان، وقفت عند قول غادة السمّان “كنتُ أعلم منذ البداية أنّ كلّ حبّ كبير هو مشروع فراق كبير” فيا له من انفصال ذاك الذي حدث بينك وبين الشغف! ما من حبّ يكبر قويّا؛ معافى؛ دون لقاح الشغف يا صديق، ففي كلّ حبّ يقيم شغف عريق، شغف عتيق، كذاك الذي اكتسح قلبك الرقيق وساقوك بعيدا عنه كما يساق الرقيق، مجبرا، مكرها! إنّي كلّما أطعمتك الأمل تملّل، يا صديقي حتى الأمل ما عاد يطيق الحصار ولا عاد يقوى هنا على الانتصار!

 

كم من مرّة شاهدتهم يتتبّعون ظلّك، يكتبون على كلّ خطوة تخطوها، على كلّ محاولة بالشوك أحاطوها، على كلّ خطّة حاولوا أن يمحوها، على الحقوق التي انتزعوها وتظاهروا أنّهم جاؤوا ليمنحوها، فألبسوها من جديد ظرف المحاولة وحكموا عليك جورا في ما أسموه مداولة، ثمّ أحالوك كالمتّهم إلى المساءلات، على كلّ وثيقة امتحان تجتازه في الحياة، كانوا يا صديقي يكتبون عبارة “تفضّل من غير مطرود”، وفي كلّ طور كانوا يرسلون الطرود، يرتّبونها في كل درب تمرّ به وعلى كلّ رصيف، ليكسروا قلبك ويدرسوا شغافه بمدراتهم مع كلّ خريف.

 

وكم كنتُ أراك مبتسما، متفائلا، شغوفا حتى عميت عمّا كتبوه. كم مرّة شاهدتهم يؤجّلون أحلامك، يمزّقون في الخفاء أعلامك، ينسفون أمنياتك، غير أنّ عيدان الكبريت بجيب صدرك كانت غزيرة، وكانت جهودهم لقتل روحك كبيرة، وها هي ذي رؤوس عيدان الأمل الحمراء قد استحالت بمكرهم سوداء، وها هي أحلامك ذات العماد، لم يتبقّ منها إلّا الرماد! رحّلوك من الشغف رحّلوك، وبالحزن الزائد خبّلوك حتى لم يتبقّ فيك حزن! كلّ الأحزان من كثرتكَ فيها مدّت وألقت ما فيها وتخلّت!

 

كم من مرّة شاهدتهم يتتبّعون ظلّك، يكتبون على كلّ خطوة تخطوها، على كلّ محاولة بالشوك أحاطوها، على كلّ خطّة حاولوا أن يمحوها، على الحقوق التي انتزعوها وتظاهروا أنّهم جاؤوا ليمنحوه

 

بعض الناس يدعّون عن نار الشغف يا صديقي دعّا، يُرحَّلون عن أحلام لطالما بدت قطوفها دانية، يصوّب قطّاع الطرق سهامهم نحوها على أشواط فإذا هي تمور وإذا بها فانية، لا نرى لها من باقية.

 

بعض الناس يرحّلون من الشغف، يحالون إلى الملل، يُطردون من الحياة التي كانت تعجّ داخل أرواحهم فيغيبون عن كل جميل ألفهم وألفوه، عن أشخاص لطالما تقاسموا معهم الضحكات والثرثرات، عن هوايات لطالما ملأت لهم الفراغات، عن نشاطات كانت تحجب عنهم الكلل، عن ذلك الإصرار المبلّل بالأمل، عن كتب لفّها الغبار ولم تأخذهم بها رأفة، عن أقلام كانوا يمسكونها بلهفة، عن أماكن بعيدة كانوا يتردّدون عليها بحبّ، وأخرى عن قرب، عن حقوق وواجبات، عن الجديد من الحكايات والجديد من الأمنيات، بل حتى عن الجديد من الثياب، كم أتقنوا الغياب!

 

إنّهم المرحّلون من الشغف.

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.