ثقافةغير مصنف

الشاعر منور صمادح: صوت الكلمات الحرة الذي إنتهى نزيلا لمستشفى الأمراض النفسية

عشرون عاما على رحيل الشاعر منور صمادح

This post has already been read 37 times!

 

يعتبره البعض قامة شعرية تضاهي قيمة ومكانة شاعر الحياة أبي القاسم الشابي ويراه بعض النقاد الصوت الحر الذي قال كلمة حق في حضرة الإستبداد.

هو صاحب ” كلمات ” القصيدة الأيقونة في تاريخ الشعر التونسي المعاصر وهو القائل : شيئان في بلدى خيبا ظني الصدق في القول والإخلاص في العمل ” هو منور صمادح الشاعر العصامي الذي تمر  عشرون عاما على ذكرى وفاته وهو الذي رحل يوم 28 ديسمبر كانون الثاني عام 1998 .

ويذكر أن الشاعر منور صمادح أصيل الجنوب التونسي وقد ولد عام 1931 وهي سليل عائلة أدبية وعلمية معروفة تنحدر من أصول أندلسية  ويقال أن والدته كانت تنظم الشعر . أما والده فهو الشيخ إبراهيم وقد درس بجامع الزيتونة وبجامعة الأزهر حيث تخصص في الفقه والتوحيد. وهو ذو نزعة صوفية.

 

 

وهو شاعر عصامي إنقطع مبكرا عن الدراسة وباشر عديد الأعمال فمارس بيع الفطائر وعمل في مخبزة أيضا كما إشتغل بائعا متجولا وجال في عديد المناطق التونسية شمالا وجنوبا.

وبرز الميول الشعري لدى منور صمادح وهو الذي كان مهتما بمطالعة  الصحف وبالمجالس الأدبية ونظم قصيدته الأولى في هذه الفترة وهي ” إبتسم يا شعب ” .

 

وكان لقاؤه بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة نقطة تحول في حياته والذي تقول بعض الشهادات أنه إلتقاه في إحدى مدن الشمال الغربي وإنبهر كثيرا بفصاحة هذا الشاب الجنوبي الذي ألقى بين يديه إحدى قصائده التي من المرجح أن تكون ” نار القول “.

ولعل إنطلاقته الحقيقية كانت من خلال لقائه بالأديب التونسي زين العابدين السنوسي في العاصمة فشجعه ونشر له بعض قصائده في صحيفة تونس كما قام بتشغيله كمراسل لهذه الصحيفة في مدن الشمال الغربي.

وفي هذه المرحلة عاش صمادح الكثير من الأحداث فإختلط بالوسط الأدبي في العاصمة بشكل كبير وتسنى له أن يلتقي بعبد الرزاق كارباكة ومصطفى خريف ثم محمد العربي الكبادي.

 

 

وتسنى له إطلاعه على المكتبة الثرية للسنوسي أن ينهل من عديد التجارب الإبداعية الثرية على غرار شعر الشابي وإيليا إبي ماضي و أحمد شوقي كتابات جبران ونعيمة والطاهر الحداد وغيرها.

لكنه سرعان ما عاد إلى تجواله وإلى عمله في بيع الفطائر مع خاله وكانت وجهته منطقة الساحل ثم قابس المدينة الجنوبية.

وكان لقصيد الفردوس المغتصب الذي أهداه لبورقيبة أثرا كبيرا في تحول مساره الحياتي والإبداعي أيضا وهو الذي تشبع في هذه الفترة بالقيم الوطنية والنضالية وإنحاز لتحرر شعبه من نير الإستعمار.

وقد رأى في بورقيبة زعيما وطنيا فإقترب منه وكما جال في بداية شبابه باحثا عن لقمة العيش وعن نحت الذات شعريا قام لاحقا بتجوال من نوع آخر بين عديد البلدان وطاف بشعره على قضايا التحرر.

 

 

وفي هذه الفترة زار روسيا وسمرقند وبخارى وبرزت في أشعاره ملامح التضامن والتعاطف مع كل قضايا التحرر في العالم بدءا بالقضية الفلسطينية وصولا إلى حرب الفيتنام وحركة السود في أمريكا ووثورة إريتريا والثورة الليبية وقد جمع قصائده المناهضة للقمع والقهر في ديوانه الشهير ” نسر ونصر”.

وفي تونس إنتشرت قصائده الحماسية بشكل كبير في صفوف عموم التونسية لاسيما وأنها كانت مباشرة وعفوية .

وفي عام 1952 برزت للوجود مجموعة من الأدباء الشبان الذين حاولوا إغناء المشهد الثقافي  ودعم الحركات الوطنية في المغرب العربي وأسسوا رابطة القلم الجديد وكان منور صمادح أحدهم إن لم نقل أبرزهم. وهو الذي كان الكاتب العام لهذه الرابطة.

وفي هذه الفترة منعت السلطات الإستعمارية منور صمادح من إصدار ديوانه فجر الحياة وأوقفته شخصيا لفترة وجيزة بشكل تحفظي.

لكن هذا الشاعر العصامي واصل نضاله بالكلمات محاولا الإنحياز لأبناء شعبه من الطبقة الكادحة فأصدر كتابا نثريا بعنوان حرب على الجوع وإلتقى خلاله مع توجهات الإتحاد العام التونسي للشغل وهو ما جعله أمينه العام أحمد بن صالح يكتب مقدمة هذا الكتاب.

 

 

ثم قام صمادح بتخليد ملامح الكفاح الوطني في ديوانه الشهداء وتوقف فيه عند إستشهاد  فرحات حشاد والهادي شاكر و منفى المنصف باي.

وبعد الإستقلال عمل منور صمادح في الإذاعة التونسية ولكنه نأى عن العكاظيات وتقول بعض المصادر أن الشاعر راح ينقد النظام البورقيبي الذي إختار نهج الإستبداد بالسلطة وقمع الحريات ولعل البيت الشعري ” شيئان في بلدي خيبا ظني ” كان المنعرج الخطير في علاقة الشاعر بالسلطة فقد كانت هذه الكلمات شعار الدولة في تلك الفترة وهو ما اثار حنق بورقيبة وقته وبدأت مأساة الشاعر.

ورغم العلاقة الإيجابية التي ربطت بورقيبة بصمادح في مرحلة النضال من أجل الإستقلال حيث كانت قصائد هذا الشاعر مقدمة لأي خطبة يلقيها بورقيبة إلا أن الأمور تغيرت بعد الإستقلال.

وفي هذه المرحلة عارض صمادح سياسة بورقيبة وخياراته الإستراتيجية وتحديدا علاقته بالمستعمر القديم وتنامي نفوذ الحزب الحاكم وسيطرته على الحياة السياسية وتضييقه الخناق على الحريات العامة. والتي تجلت في محاكمات الرأي على سبيل المثال.

ولم يتسع صدر النظام لنقد وهجاء منور صمادح فتمت ملاحقته وتتبعه أمنيا وتم إستدعاؤه وفق شهادات بعض أقاربه عام 1967 إلى الإستنطاق وهو ما كان بمثابة رجة نفسية جعلته يفقد توازنه النفسي ثم غادر إلى الجزائر ليعود بعد ذلك ويصبح نزيلا في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية وفي عام 1969 وفي مثل هذا الشهر كتب الشاعر وهو أسير المرض النفسي قصيدته الشهيرة ” كلمات” .

 

 

وعاش صمادح مرحلة صعبة عانى خلالها من الإضطرابات النفسية ومن النسيان والإهمال والتهميش حتى تاريخ وفاته.

وقد ظلت تفاصيل المنعرج الذي حدث له والذي قاده إلى الإنهيار النفسي وإلى حالة من الرعب والإحساس بالمطاردة في آخر مراحل حياته ولعل هذا ما جعل أسرته تقدم طلبا لهيئة الحقيقة والكرامة بهدف إعادة فتح ملف منور صمادح لمعرفة حقيقة ما حدث له خلال الإستنطاق الذي ذهب بعقله.

 

 

وتطالب عائلته أيضا بإعادة طبع أشعاره وإدراجها في برامج التعليم بعد أن سحبت منها دون تبرير أو تفسير.

هذا مع العلم أن الرواية الرسمية لسيرة منور صمادح تقتصر على ذكر ما آلت له حالته النفسية دون ذكر الأسباب .

وفي هذا الصدد قام المخرج فوزي شلبي بتقديم شريط وثائقي عنوانه كلمات يتناول سيرة الشاعر منور صمادح ويتابع الفيلم أهم مراحل حياة هذا الشاعر والمنعرجات التي عرفتها.

وفي الشريط أيضا شهادات من أبناء منطقة نفطة مسقط رأس الشاعر عن ذكرياته معه وأيضا هناك شهادات لنقاد يقيمون تجربته فمنهم من يراه عبقريا يضاهي الشابي   ومنهم من يسمه بالمباشراتية وغياب المشروع الشعري.

والحقيقة أن سيرة صاحب كلمات تراجيدية وشائكة خاصة في ما يتعلق بالمصير الذي آل إليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.