ثقافةغير مصنف

عندما تحلق الانثى خارج السجن بجناحي الشعر

رواية "يخبئ في جيبه قصيدة" للكاتبة الجزائرية منجية إبراهيم

 

لعل سطوة الكاتبة أحلام مستغانمي ووهجها الطاغي جعل نصوصها بمثابة الشجرة التي تحجب الغابة عن باقي نصوص المؤنث في الجزائر ورغم بروز عديد الكاتبات على غرار فضيلة الفاروق إلا  أن مستغانمي ظلت وحدها الاسم الدال على الادب النسائي هناك.

 

ولكن هذا لا ينفي بروز تجارب إبداعية نسائية في مجال السرد والرواية تحديدا ومن بينها منجية إبراهيم التي نتصفح روايتها يخبئ في جيبه قصيدة ونحاول إستقراء ملامح هذا النص النسائي الحامل للكثير من ملامح الفرادة والتميز.

والكاتبة الشابة منجية إبراهيم مهوسة بالقراءة وشغوفة بالاستلهام من اصحاب الفتوحات الكبرى في مجال السرد بالتحديد.

وفي هذه الرواية نكتشف عمق هذا الإهتمام و تجلياته في نص سردي بمفردات شعرية حيث يحضر الشعر منذ العنوان الذي يلتبس في ذهن القارىء ويخاله عنوان ديوان شعر وليس رواية.

 

فكيف نلج هذا النص السردي الملتحف بالشعر؟

في البدء تعفينا الكاتبة منجية إبراهيم من حرج تصنيف نصها ووضعه في خانة الأدب النسوي بإعتبارها ترفض قطعا هذا التصنيف وتعتبر الادب كائن بلا جنس سواء كان موقع بإسم مؤنث أو مذكر ومهما كانت القضية التي يطرحها متصلة بشكل مباشر بالقضايا النسائية أو غير ذلك .

وقد عبرت عن هذا الموقف منذ روايتها الأولى التي ولجت بها عالم الأدب وهي الموسومة ب ” من بعيد أجمل “.

وفي رواية يخبئ في جيبه قصيدة نتوقف عند البطلة أمينة العربي التي تلتبس بشخصية منجية إبراهيم وتبدو على قدر عال من الرقة وهي تصارع قسوة الحياة والمفارقات العجيبة التي تواجهها كالفراغ الروحي وضياع الهوية والتفسخ وغيرها وهو ما تشير إليه بالرمز أحيانا معولة على ذكاء قارئها ليفهم مقاصدها.

وتختار الكاتبة التاريخ العربي كمحمل تضمنه الكثير من القضايا التي تريد التعبير عنها فيحضر الشاعر الفارس عنترة بن شداد الذي تحاول إبنة الجنوب الجزائري أن تستحضر من خلاله كشخصية وكرمز وكقصيدة المضامين الأصيلة كالشهامة والمروءة والشجاعة وغيرها من القيم التي إفتقدتها المجتمعات العربية اليوم.

ومن هنا يمكن القول إن رواية منجية إبراهيم ذات مضامين إجتماعية وحضارية وسياسية وغيرها.

وفي هذا النص الذي يقتات من الشعر ومن التاريخ والرموز الثقافية يحضر الشاعر أبو الطيب المتنبي الذي يبدو أن له مكانة أثيرة لدى الكاتبة. والذي أعادته إلى الحياة وقامت بحالة إسقاط عليه من خلال التطرق إلى موضوع السجن السياسي وقمع الحريات في ظل الأنظمة العربية المستبدة.

إذن تراوح منجية إبراهيم بين عوالم الحب الوردية وبين القضايا السياسية كما تمزج بين طرح قيمي إجتماعي وما بين حنين جارف إلى الجنة الضائعة كما أسماها الشابي ونعني الطفولة بكل ذكرياتها.

وتنفتح هذا الرواية بنص تكتبه البطلة إلى شاعرها المفضل إبي الطيب المتنبي تكاشفه من خلاله بأسرارها الصغيرة وأحلامها الكبيرة. وخاصة وعن الشغف الكبير بالقراءة والكتب حد المرض النفسي. وعن ولعها بالتفاصيل الصغيرة للحياة وتحدث المفاجأة الكبرى عندما تعترف أمينة العربي لشاعرها المفضل أنها سجينة ومتهمة بزعزعة الأمن القومي .

وبلغة سلسة واسلوب موغل في البساطة يجد القارىء نفسه مقبلا على تصفح الرواية حتى النهاية ومتتبعا التوازي في الأحداث بين مكان وآخر الأول هو السجن الذي تقبع فيه البطلة وهي تناجي شاعرها أبي الطيب والثاني هو الفضاء الخارجي المفعم بالمغامرات والسخرية والأحداث الطريفة التي نستشف من خلالها قدرة منجية إبراهيم عما يمكن أن نسميه بالكتابة الكوميدية. ولكنها كوميديا سوداء تقوم على ضحك كالبكاء.

وقد عملت منجية إبراهيم على منح نصها شحنة من الأفكار والمعلومات العامة ن الكثير من الفلاسفة والمفكرين وقدمت لنا إقتباسات متسقة كثيرا مع مع سياق الأحداث والوقائع التي  ضمنتها في نصها السردي. على غرار حصول البطلة على كتاب الأمير لمكيافيلي والعقد الإجتماعي لجون جاك روسو  من صديقها وهي داخل أسوار الزنزانة واستلهامها من هذه النصوص أيضا.

ولعله من المهم الإشارة إلى أن منجية إبراهيم كاتبة جزائرية شابة ولجت الأدب من باب الصحافة وهي تختصر مفهومها للكتابة  في هذه الفقرة المقتبسة من رواية  يخبئ في جيبه قصيدة.

وهي تقول

“الكِتابة تأتي بغتة دون مواعيد، إنها مثل الحبّ تفاجئك دون استئذان، تأتي دون أن تأخذ بعين الاعتبار جدول مواعيدك أو ارتباطاتك الأخرى، تفاجئك في الحمام والسوق والمقهى، في الشوارع، في محطات الانتظار والقطارات”.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.