مدوناتغير مصنف

أبناؤنا ليسوا ملكاً لنا.. نحو رؤية جديدة لدور الوالدين

This post has already been read 3 times!

 

 

كثير من الآباء لديهم قناعة أنهم يمتلكون أبنائهم، لأنهم سر وجودهم في الحياة، وهم من أنفق عليهم وقام برعايتهم وتربيتهم منذ الميلاد، وربما يكون الأمر محيراً وصعب الحسم، عندما نطرح سؤالاً “هل أبناءنا ملك لنا؟”

 

إن السؤال الأدق: هل أن الأبناء ملكيةً بالأساس؟ بالطبع لا. هم كائنات تشعر وتفكر وتحس، ولها حق القرار أيضاً، ربما ليس في الطفولة المبكرة، لكنها مرحلة سرعان ما تمر، ينبغي أن نؤهلهم خلالها لتولي مسؤولية أنفسهم وتحمل تبعات قراراتهم وإلا تختل شخصياتهم فيما بعد.

 

نحن لا نمتلك أطفالنا، الأبناء هم على وجه الدقة عطية الله لنا، عطية مشروطة بالرعاية وحسن التربية، لنا حقوق عليهم بلا شك، ولهم بالمثل، أعتقد أن قناعة البعض بأن أطفالهم ملك لهم هو السبب وراء انتشار حوادث التعذيب والعنف والقهر ضد الأبناء. وهو السبب في أنانية الكثير من الأبناء، الذين يستغلون أطفالهم في العمل باكراً جداً للإنفاق على الأسرة.

 

في علم النفس هناك قاعدة “الحق والصواب”. ويرى العلماء أنه ليس كل حق صواب، بمعنى قد يكون من حقي كأب أو أم على أبنائي الطاعة، لكن استغلال هذا الحق في التحكم في حياة أبنائي ليس صواباً. وهذا ما ينبغي على الآباء تفهمه جيداً، البعض أيضاً يرى أن من حقه التخطيط لحياة طفله، والتقرير نيابة عنه، لأنه لا يمتلك الخبرة أو القدرة أو حتى الوعي للتفكير والتقرير، مع أنها مهارة تكتسب بمرور الوقت. وواجب الآباء مساعدة الأبناء في اكتسابها كذلك.

 

أقول هذا الآن بعد أن عشت طور “الابنة” وطور “الأم”، ربما كانت نبرتي لتصبح أكثر حدة لو لم أكن اختبرت تجربة الأمومة بعد، فعندما نكون مجرد “أبناء”، نتذمر من دور الأم، نراه تحكماً مفرطاً ونتغاضى عن اعتبارات القلق والحب والعاطفة، لكن الآن أكتب هذا المقال لنفسي قبل الآخرين، فكل ما اعترضت عليه في تصرفات أمي كررته مع طفلتي، وبكل سلاسة استطعت “إيجاد المبرر المقنع لذاتي” بأني “مضطرة للتصرف بهذه الطريقة”. وبدأت ألتمس الأعذار لأمي مرات على ما غضبت منها بسببه سابقاً.

 

 

ينبغي أن نتوقف عن شعور الأنانية كآباء. بالطبع نتحمل الكثير، ونضحي لأجل أبنائنا، لكن هذا لا يمنحنا الحق بالتحكم بحياتهم، أو تفريغ شحنات غضبنا بهم

 

 

عندما شاهدت خبر حبس أم كويتية لمدة شهر بسبب تعنيفها لأطفالها بالقول “ادرس يا حمار”، تعاطفت معها في البداية، التمست لها العذر كونها ترعى الأسرة والأبناء وربما تعمل إلى جانب حمل المذاكرة الثقيل جداً والكفيل دائماً بتدمير علاقة أي أم بطفلها ولا يعي ذلك إلا مجرب.. تعاطفت معها أكثر عندما علمت أن الأب هو من قدم البلاغ ضدها. ليس هذا فحسب بل تربص لها مرات عديدة وراقبها وهي “تنفعل وتثور وتجن” أثناء المذاكرة للأبناء وبدلاً من مساعدتها عكف على تصويرها لتجهيز الاتهام، أي زوج حظيت به تلك السيدة المسكينة، هكذا ظننت. لكن بعد لحظات التعاطف هذه يأتي سؤال آخر “ما ذنب أبناءنا في نمط حياتنا القاسي وكم الهموم التي نثقل بها كاهلنا؟ لسنا مؤهلين كفاية لاحتمالهم فلم أنجبناهم؟”

 

هنا بدأ تعاطفي مع المرأة يخفت قليلاً، ربما تكون زوجة غير محظوظة، لكنها أم غير جيدة في الوقت نفسه، (وأنا كذلك).

 

 

علينا أن نتذكر أيضاً ما كان يغضبنا في أفعال آبائنا، ونتوقف عن تكراره معهم، فهم وإن كانوا أبنائنا ليسوا أشياءً مملوكةً لنا

 

 

يزدحم جدولي اليومي بالكثير من المهام. الكثير من العمل. شؤون المنزل، الأسرة، و .. ابنتي، هي أولوية بالطبع، لكنها الخيار الأول الذي افترض أنه سيكون أكثر تحملاً لحياتي المزدحمة. أفترض أنها دائماً ستتحمل عصبيتي، انشغالي، كثرة أعبائي، أو “ينبغي أن تفعل”، لكن لماذا أظن ذلك لا أدري في الحقيقة، طرحت السؤال فقط الآن وأراه مجحفاً جداً ومؤلم في الوقت نفسه، أن ننجب أبنائنا يجب أن يكون هدفه ” أن يعيشوا حياة أفضل وأسعد” لا “ليحتملوا ضغوط حياتنا وظروفنا الصعبة”.

 

في الدول الغربية يعتبر الطفل “ابن الولاية أو البلد”. وتفرض الدولة قوانين محددة للتعامل معه، وتلزم الأسرة بالتعامل معه وفقها، وترسل المشرفين الاجتماعيين بانتظام لتفقد أحوال الأسر. وإذا تخطى الأبوان القوانين، يتم التحذير أولاً ثم يؤخذ منهما الأبناء لدور رعاية آمنة. عاشت صديقة لي مقيمة في إحدى الدول الأوربية هذا. جرحت إحدى طفلتيها أثناء اللعب، وقامت السلطات بنقل التوأم لإحدى مراكز الرعاية طيلة عامين وكانت الأم تلتقيهما مرة أسبوعياً، تعلمت من التجربة كثيراً، ورغم أني تعاطفت مع صديقتي في البداية إلا  أنني أرى هذا الفعل الآن “عادلا جداً” من أجل الأطفال.

 

أقول لنفسي قبل الجميع، ينبغي أن نتوقف عن شعور الأنانية كآباء. بالطبع نتحمل الكثير، ونضحي لأجل أبنائنا، لكن هذا لا يمنحنا الحق بالتحكم بحياتهم، أو تفريغ شحنات غضبنا بهم، لنركز على تنشئة أطفال أسوياء، يتحملون قدر طفولتهم ويتخذون قراراتهم، حتى وإن كان بمساعدتنا.

علينا أن نتذكر أيضاً ما كان يغضبنا في أفعال آبائنا، ونتوقف عن تكراره معهم، فهم وإن كانوا أبنائنا ليسوا أشياءً مملوكةً لنا..

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.