مجتمع

حزب العمال بين مؤتمرين: السياقات السياسية والمجتمعية

 

 

لم يكن المؤتمر الخامس لحزب العمال التونسي كسابقه من المؤتمرات، على الرغم من الفاصل الزمني البسيط الذي لا يتعدى الأربع سنوات، (ما بين 2014 و2018). لا من حيث التموقع، ولا من حيث السياقات السياسية والتنظيمية، ولا من حيث السياقات الاقتصادية والاجتماعية.

 

يأتي المؤتمر الخامس لحزب العمال التونسي، تحت شعار “إلى الثورة”، بما يعني أن أهداف الثورة لم تنجز بعد. ولذلك أكد حمه الهمامي في كلمة الافتتاح على ضرورة “تكتيل القوى الوطنية والتعبئة النضالية والضغط في الشارع”، بهدف كنس المنظومة الحالية التي يحمّلها المآلات السلبية للأوضاع.

وهو ما اختزله في قوله “هذا الحكم قد أصفه بجملة بسيطة: فهو حكم رجعي عميل وفاشل ويعادي الوطن والشعب”. وهي توصيفات تضيق بها حتى الماركسية نفسها.

 

فالحكومات التي تلت الثورة لم تكن متجانسة لا في المرجعية ولا في الأداء. كما أنها حاولت في أغلب تشكيلاتها أن تبحث عن أوسع قاعدة للشراكة، في وقت كان حمه الهمامي يفضل الإطلالة على المشهد من نافذة ضيقة اسمها المعارضة الدائمة. والمهم أنه بعد ثماني سنوات من الثورة، يبدو الحصاد عند حمه الهمامي شديد القتامة.

لذلك يستمر الخطاب نفسه في الحكم على الخصوم السياسيين الذين لم يأتوا على ظهر دبابة، ولكن جاءت بهم صناديق الاقتراع التي لم يستطع حمه ورفاقه أن يمتطي صهوتها.

 

الجبهة تتحدث عن خصمها أكثر مما تتحدث عن نفسها، مما جعلها محل استهجان، وجعل خطابها عديم القابلية من فرط ما استهلك.

 

السياق السياسي

والحقيقة أن المؤتمر الخامس لحزب العمال لم يأت بنفس الزخم الذي بدا عليه مؤتمره السابق (الرابع). فعلى الرغم من حصول مكون الجبهة على عدد من المقاعد في البرلمان في انتخابات 2014، أغلبها جاءت “بأكثر البواقي”.

إلا أن الحصيلة تبقى ضعيفة بالنظر إلى عدد التيارات السياسية المؤلفة للجبهة. كما أن خوض حمه الهمامي لغمار الانتخابات الرئاسية، قد كشف عن ضعف القاعدة الانتخابية لهذا الإئتلاف. وهو الضعف الذي سيتعزز مع النتائج الهزيلة للجبهة في إحدى المحطات الانتخابية المهمة، التي ارتبطت هذه المرة بموضوع الحكم المحلي، أي الانتخابات البلدية.

 

 

 

 

وهكذا فإن ضعف المنجز السياسي المرتبط بضعف القاعدة الجماهيرية، وانحسار التعاطف مع الجبهة التي بدت مطمئنة لخيار المعارضة المطلقة، سيطرح على مؤتمر الحزب ولاشك جملة من المراجعات، ستكون ولاشك أعمق من تبديل صفة “الشيوعي” التي قام بها بعد الثورة بقليل. وهو التغيير الذي لم يساهم في انتشار الحزب، كما لم يساهم في تغيير “الصورة النمطية” التي عرف بها لدى الشارع العريض.

 

وفي ظل الاختلال الكبير في موازين القوى بين الإسلاميين واليسار، فقد اتسع مزاج الجبهة لفتح جبهات على خصمها اللدود حركة النهضة، وحولتها إلى الدرجة القصوى في اهتماماتها السياسية. وقد ترجمته عمليا في تصيد الأخطاء والزلات السياسية، وتحريك الأذرع الإعلامية لمحاولة التأثير على الرأي العام.

والحقيقة أن هذا الخيار قد ترك منطقة فراغ كبيرة أثرت على الجبهة أكثر مما أثرت على حركة النهضة. فالجبهة تتحدث عن خصمها أكثر مما تتحدث عن نفسها، مما جعلها محل استهجان، وجعل خطابها عديم القابلية من فرط ما استهلك.

 

المناكفات التقليدية بين حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، أصبحت اليوم أكثر تواترا بما من شأنه أن يعرض الجبهة إلى حالة من التصدع

 

السياق التنظيمي

ويأتي المؤتمر الخامس في سياق أزمة تنظيمية على مستوى الحزب، وعلى مستوى الجبهة في حد ذاتها. فالمناكفات التقليدية بين حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، أصبحت اليوم أكثر تواترا بما من شأنه أن يعرض الجبهة إلى حالة من التصدع، وفي أحسن الأحوال تهديد الموقع الاعتباري لحمه الحمامي كناطق رسمي باسم الجبهة، وتعويضه في قادم الأيام بآخر. في هذه الحالة يبدو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد أوفر حظا في فرض خياراته.

 

 

 

 

أما على مستوى الحزب، فقد أعلنت مجموعة من الكوادر حزب العمال عشية انطلاق المؤتمر الخامس إلى استقالتها من الهياكل التنظيمية للحزب. وهي استقالات قد تجاوزت المائة والأربعين ناشطا، بين قيادات محلية وجهوية ومركزية، في أكبر استنزاف عرفه الحزب منذ تأسيسه منتصف الثمانينات، على الرغم من كثرة الانشقاقات التي باتت من طبيعة التنظيمات اليسارية في تونس، منذ التأسيس.

 

 

 

 

المستقيلون عزوا أسباب استقالتهم إلى “خطورة الأوضاع داخل الحزب”، وانسداد الأفق أمام دعوات الإصلاح، وفتح نقاش جدي حول تصحيح المسار والنهوض بالحزب، و”تراجع أداء الحزب على جميع المستويات، وخاصة فشله في الانغراس في الطبقة العاملة وفي صفوف الشعب، وكذلك فشله في الحفاظ على وحدة الجبهة وتطوير أدائها” كما ورد في عريضة الاستقالة.

 

 

 

 

العريضة كشفت عن أزمة تنظيمية عميقة داخل حزب العمال يبدو أنها ليست جديدة في الزمن. والظاهر أنها طالت فاعلية الهياكل، وديمقراطية التسيير، وغياب الخطية المنسجمة والمعممة على الكادر المنتظم، إضافة إلى الطابع البيروقراطي الفوقي، وانعدام الديمقراطية. والحقيقة أن تلك الهنات التنظيمية لم تخل منها التنظيمات الشيوعية على مر تاريخها.

بل إن عديد التجارب قد وجدت في النص الماركسي نفسه حول طبيعة الحزب ما يبرر التصفيات والإبعاد، ناهيك عن التجربة التاريخية. هذا على الرغم من عراقة الماركسية اللينينية في طرح المسألة الحزبية، منذ “البيان الشيوعي”، حتى كتاب “ما العمل؟” الذي جاء ليعطي بلورة حقيقية لمفهوم الحزب بعد فشل ثورة 1905.

 

 

المستقيلون عزوا أسباب استقالتهم إلى “خطورة الأوضاع داخل الحزب”، وانسداد الأفق أمام دعوات الإصلاح

 

السياق الاقتصادي والاجتماعي

جاء المؤتمر الخامس في ظل حراك اجتماعي، يعكس في أحد وجوهه صعوبة الظرف الاقتصادي والاجتماعي الذي تمر به البلاد. وحمه الهمامي الذي ما فتئ يدعو المهمشين والأجراء والموظفين إلى “الثورة الدائمة”، لم يفته التنبيه هذه المرة إلى الطابع السياسي لهذا الحراك، وهو ما يتفق فيه مع كل مكونات الجبهة تقريبا، ليؤكد في افتتاح المؤتمر على الشعار التاريخي للثورة “الشعب يريد إسقاط النظام والحكومة…اليوم هناك مطالبة برحيل منظومة بشكل واضح”.

لذلك اعتبر الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية أن على القوى التقدمية والديمقراطية أن تلتحق بتحركات الشعب التونسي الذي بدأ في التعبير عن رفضه منظومة الحكم التي دمرت البلاد. وذلك هو الخيار الذي سيسعى المؤتمر الخامس إلى تكريسه وبلورته على قاعدة أن الجبهة جزء من تحركات الشارع.

 

 

 

 

إن توصيف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد في افتتاح المؤتمر الخامس لحزب العمال قد لا يختلف عليه اثنان. لكن الاختلاف قد يكون في أسلوب المعالجة. “فالثورة الدائمة” لن تزيد الأوضاع إلا تعقيدا، إذ أن الحلول التي تسير نحوها البلاد ولو ببطء شديد، زمن الاستقرار، لن تصل إليها في ظل “تحركات احتجاجية” قد تفقد البوصلة في كل لحظة، فتنحرف نحو التصادم والعنف وعدم الاستقرار. لذلك يمكن لأي متابع أن يلاحظ أن هناك أطروحتان اليوم في البلاد تتعايشان على مضض، واحدة تقول بالصعوبات، وتعتبر السلم الأهلي والاستقرار السياسي مقدمة للتجاوز والمعالجة.

 

وأخرى تقول بالصعوبات، وتعتبر أن الحل في “الأرض المحروقة” دون تقدير دقيق للعواقب والمآلات.

والحقيقة أن حزب العمال لم يستطيع خلال ثماني سنوات أن يطور خطابه نحو الأزمة، فيتحول من التوصيف إلى طرح الحلول على الدولة والمجتمع. وهو الخطاب الذي هوّن من حضوره، وأكل من رصيده، ولم يستطع أن يعدل من موازين القوى التي ولاشك ستظل تعمل لغير صالحه، طالما لازال واقفا عند نفس النقطة، التوصيف السلبي الذي يغمط التونسيين تحقيقهم لبعض المكاسب، خاصة على المستوى السياسي، ومن ثم التقاط أنفاس بعض التحركات الاجتماعية والشبابية للمزيد من التصعيد. حتى إذا عادت الأمور إلى نصابها، عاد حمه الهمامي إلى قواعده بانتظار التحركات القادمة.

 

 

 

 

إن بين المؤتمر الرابع والمؤتمر الخامس لحزب العمال التونسي ما فيه مندوحة عن هكذا خيارات، لن يكون المتضرر منها إلا حزب العمال أولا والجبهة ثانيا…

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.