ثقافة

لبنى السديري: تأكل مع الذئب وتبكي مع الراعي؟

 

يبدو أن عبارة “جندوبية”، اكتسحت الفضاء العام وباتت أولى أولوياته تحت غطاء العنصرية، التي لا ننكر ممارستها على متساكني المنطقة ولكن يدفعنا للبحث في طبيعة هذه القضية المعلومة للجميع وأدهشت الجميع في فترة وجيزة.

 

وكأصيلة للمنطقة، قد لا أعتبر ما يقال حولنا تمييزا، بقدر ما أعتبر الآخر ضحية جيل اعتاد ممارسة التحقير على أبناء المناطق المهمشة.

 

عبرت الممثلة التونسية لبنى السديري عن معاناتها مع العنصرية الجهوية في تونس باعتبارها تنحدر من محافظة جندوبة بالشمال الغربي للبلاد، التي عاشت على وقع التحقير والتهميش طيلة عقود سواء مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، أو الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وترتبط المدينة كغيرها من المدن الغربية بصور نمطية تتعلق بالهمجية والدونية والتخلف والرجعية ويوصف سكانها بنعوت عنصرية.

ماقالته لبنى قد يبدو عاديا لهذه الاعتبارات، خاصة أن بكاءها قد أثر في العديد من التونسيين الذين تهاطلت تدويناتهم المواسية والمستنكرة لذلك.

 

لبنى التي تحدثت عن زميلة لها تصفها في كل مرة بألفاظ مثل “حاشا المحل” و”ورا البلايك” وبمسقط رأسها في منطقة “غاردماو”، كانت جد متأثرة، خاصة وهي التي حرمت من الزواج من الرجل الذي تحبّه بسبب النظرة الدونية. 

 

 

 

لكن في أي فضاء تعمل السديري؟ في أحد برامج التولك شو، التي تتميز في تونس بممارسة العنف على المشاهد اللفظي منه والمعنوي.

تتخلل فقرات البرنامج “اضحك معنا” مشاهد تخل بأخلاقيات العمل الصحفي، بعض فقراتها بعيدة عن مهمة الترفيه التي تدعيها، ولا يحتوي البرنامج أي قيمة تثقيفية.

نفس البرنامج بث مشهدا  “ساخرا” أدت بطولته السديري مع الممثل أحمد الأندلسي، وكان حوارا هابطا تخلله سباب وصل حدّ الضرب، الذي مثل صدمة للموجودين والجماهير، والنتيجة يضحك الممثلان في النهاية ليقولا للجمهور، “كان مشهدا تمثيليا”.

دورها في البرنامج كغيرها من الحاضرين وهم مجموعة من الفنانين والممثلين، هو “الكلاش”  واستفزاز زملائها من الموجودين بهدف اختلاق عراك وهمي أمام المشاهدين.

 

عمل لا يقدم أي إضافة تذكر، سوى محاولات إضحاك فاشلة من أجل التموقع وتحقيق نسب مشاهدة عالية.

 

وعندما فشل الأسلوب الساخر، ربما اتخذت من تعاطف الجماهير طريقا جديدا لكسب المزيد من المتابعات، حيث حقق الفيديو منذ نشره أرقاما هامة، حيث بلغ حوالي 500 ألف مشاهدة على اليوتيوب، وأرقاما أضخم على فايسبوك علاوة على اهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي.

 

 

تحقق هذه البرامج مشاهدات عالية بفضل عامل الإثارة والمواضيع المتعلقة بالبوز في ظل أزمة الإبداع وتقليعة التقليد.

ويعد “اضحك معنا”، أحد عناصر المشهدية المتنوعة كمّا والمتماثلة على جميع المستويات، لأن كل قناة تلفزيونية تونسية تقدم نفس الطبق الإعلامي المحسوب على الترفيه، الواقع في التسطيح والتتفيه.

 

منذ حوالي الأسبوع ظهرت سيدة في أحد البرامج التلفزيونية التي تعنى بالبرامج الاجتماعية، تتحدث عن عائلة زوجها الذين يقومون بإذلالها وشتمها بسبب أصولها وانتمائها لنفس المدينة.

 

ومثل هذه الحوادث المتكررة يساهم فيها الإعلام بشكل أو بآخر من خلال الصورة النمطية التي يكرسها عن أبناء المناطق الداخلية في تونس، عن طريق الأعمال الدرامية أو الفقرات الساخرة في برامج المنوعات.

 

وذكّرت الهيئة العليا المستقلة للإعلام البصري، وهي هيئة تعديلية للقطاع في تونس،” بضرورة مساهمة وسائل الإعلام السمعية البصرية في التربية على المساواة ونبذ التمييز العنصري مهما كان شكله وتكريس ثقافة الاختلاف وقبول الآخر مع دعم البرامج الثقافية وضمان تقديمها خلال توقيت يحظى بنسب محترمة من الاستماع والمشاهدة”.

 

 

ولفتت النظر أكثر من مرة للعديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية من أجل الابتعاد عن المضامين التي من شأنها التطبيع مع الخطابات العنصرية.

 

كما ينص الفصل 23 من كراس الشروط المتعلق بالحصول على إجازة إحداث واستغلال قناة تلفزية خاصة في فقرته الثانية أنه “يلتزم صاحب الإجازة بعدم بث كل خطاب يحرض على التمييز لأسباب عنصرية أو عرقية”.

 

ورغم مصادقة البرلمان التونسي على قانون مكافحة التمييز العنصري في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم ينص على تجريم التمييز الجهوي كغيره من أشكال التمييز.

 

وتبقى القضية رهين تغيير عقلية جيل كامل، قادر على تجاوز الكليشهات عن مختلف المناطق في الجمهورية وإعادة بناء علاقة بين المواطنين تقوم على التسامح وقبول الآخر بعيدا عن الأحكام المسبقة.

 

وتبقى لبنى ضحية العنصرية، أحد العناصر المكونة لمشاهد العنف والعنصرية، التي تأكل مع الذئب وتبكي مع الراعي.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.