مجتمعغير مصنف

قرية “تونس” المصرية تتحول بفضل صناعة الخزف إلى قرية سياحية لا بطالة فيها

رشا محمود- القاهرة- مجلة ميم

 

 

على بعد 60 كيلو مترًا من مدينة الفيوم شمال صعيد مصر، وأكثر من 100 كيلو مترًا من مدينة القاهرة، وعلى ضفاف بحيرة قارون، ما عليك سوى أن تذكر”أين تعيش الفنانة السويسرية ايفلين بوريه” والتى يطلق عليها عمدة قرية تونس، ليتسابق الصغير قبل الكبير إلى إرشادك إلى منزلها.

 

 

تعتلي قرية “تونس” ربوة عالية تطل على بحيرة قارون الشهيرة، مما حوّلها إلى لوحة طبيعية في أحضان الريف المصري، وجعلها تنال لقب “سويسرا الشرق”، ليس لجمال طبيعتها فقط، بل لسمعتها الفنية أيضاً، حيث تشتهر منازل القرية بصناعة الخزف والفخار الملون التي تجسد موروثا ثقافيا تعود جذوره إلى عصر الفراعنة، وذلك بعد أن أنشأت السويسرية مدارس الفخار والخزف .

 

وبجلبات الفلاحات ومنذ عام 1965عاشت إيفلين بوريه ذات الملامح الأوروبية خريجة كلية الفنــــــــون التطبيقية بسويسرا 50 عامًا كفلاحة مصرية تعيش فى بيتها الريفى بقرية تونس التى اصبحت عمدتها حالياً .

 

و بدأت قصة إيفلين مع القرية بزواجها من الشاعر المصري سيد حجاب، فبدأت زيارتها لمصر لتقع فى عشق ريفها وخضرتها فتركت بلدها سويسرا وجاءت إلى أقصى ريف مصر ليقرران الاستقرار هناك وشراء قطعة أرض بنيا عليها منزلًا في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم شيد الزوجان أول بيت بطريقة القباب والأبواب السائدة الآن في القرية والمشابهة لطراز البيوت التونسية.

 

وكانت القرية آنذاك عبارة عن مجموعة من الخيام يسكنها عدد محدود من العمال والفلاحين، وكانت تابعة للقرية المجاورة لها واسمها “أبعدية والي” ، ولسنوات طويلة، ظلت “تونس”، قرية ريفية بسيطة، ينتشر بها الفقر والبطالة، والمستوى المتدنى للتعليم، إلى أن قدمت إليها إيفلين التي استطاعت على مدى تلك الأعوام التى عاشتها فيها أن تغير الكثير.

 

مع الوقت بدأ حجاب وإيفلين بتحويلها إلى مزار سياحي، وقبلة عالمية للفن، يقصدها السياح والمبدعون من شتى أنحاء العالم، انخفضت فيها نسبة البطالة، حيث اتجهت اليد العاملة إلى الاشتغال في مجال صناعة الفخار أو الخزف أو صناعة السجاد والحصير اليدوي. فبدأوا بدعوة أصدقائهما من الكتاب والفنانين والنقاد، إلى القرية حيث نالت إعجاب الجميع، وقاموا بشراء أماكن للعيش بهذه القرية، ملتزمين بنفس الطراز في البناء إلى أن أصبح لهم في تونس حاليًا 300 فيلا .

 

 

وعــــــــن الأسباب التى دفعتها للاستقرار فى مصر 50 عاماً، وترك بلدها سويسرا قالت  “بوريه” : “منذ أن قدمت إلى مصر وإلى قرية تونس بالتحديد قررت عدم الرجوع إلى سويسرا. أنا أحب أهل هذة القرية وهم يحبونني. هم أهلى، ولدى أولادهم مواهب تلقائية جعلتنى أرغب فى تعليمهم الفخار. أنا كبرت هنا، وعملت هنا وأنشأت المدرسة هنا. أحب الجلباب الفلاحي، والأواني والبيوت، وأحب المتاحف والجـــــــــوامع، وعربات الكارو المرسومة” .

 

فكرة المدرسة بدأت تجول فى رأس “إيفلين” عندما رأت أطفال القرية يلعبون فى طين المزارع ويشكلون منه أشكالا مختلفة. فقررت حينها البدء بصناعة الخزف فى مدرسة خاصة. فبدل لعب الاطفال بالطين، تحول ذلك اللعب إلى أعمال فنية بالطين. وطالبت “بوريه” حينها الدكتور جمال سامى محافظ الفيوم بتشكيل لجنة لحصر وتقنين أوضاع أصحاب ورش صناعة الخزف خاصة الشباب منهم، وربط وترخيص الأرض المقامة عليها ورشهم حتى يشعروا بالاستقرار.

 

وتخرج من مدرسة الفخار الذى عمرها أكثر من ثلاثون عاماً المئات من فناني الخزف، من الشباب والفتيات، الذين استطاعوا بمساعدتها أن يستقلوا بعملهم حتى أصبحوا اليوم من كبار أصحاب الورش، وكانت عامل جذب للزائرين للمنطقة بأكملها.

 

 

وبمرور الأيام، تحولت تلك الأعمال الفنية التى أنتجت بفضل مدرسة إيفلين إلى مهرجان سنوي تعرض خلاله تلك الأعمال. وأصبح ذلك المهرجان ملتقى سنويا للخزافين، ولفناني الحرف اليدوية، وكذلك للجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في مجال الحرف. وأصبحت قرية تونس منطقة سياحية جاذبة، وعاصمة للفنون اليدوية، وسط الريف المصري.

 

لم تكن المدرسة والمتاحف والاعمال الفنية فقط ما ميزت قرية تونس التي تغيرت كلياً بعد مجيء إيفلين، بل ذاع صيتها عندما أصبحت أول قرية فى مصر خالية تماماً من البطالة، وخالية من الفقر والجوع. فجميع أهل القرية يعملون فى تنمية القرية عبر تطوير الاشغال اليدوية.

 

 

يقول عبده محمد (فلاح من القرية) “40 عاماً”  “لم نكن نحلم أن تصبح القرية على ما أصبحت عليه اليوم . فالقرية تغيرت تدريجياً، فلم تعد خياما، أو  مجرد أرض زراعية تتم زراعتها، بل أصبحت مزاراً سياحياً بعد أن تكاتف أهل القرية مع السيدة إيفلين لتطوير القرية. وبفضلها أصبحنا أفضل قري الفيوم، وأصبحنا نكتفي بذاتنا فى العمل والمأكل والمشرب، فضلا عن الشكل الجمالي الذى أصبحت عليه القرية “.

 

بدأ “عبده”، العمل في صناعة الفخار منذ ان كان طالباً في الصف الأول الإعدادي. تعلم صناعة الفخار لتُعرض منتجاته للبيع في معرض إيفلين ويحصل على نسبة من سعر ما يباع، ليصبح فيما بعد صاحب ورشة فخار خاصة، والتى يحارب من أجل الحفاظ عليها، وعدم هدمها كما هدمت بعض ورش ومساكن القرية من قبل الحكومة.

 

مؤخراً واجه سكان قرية “تونس” المصرية محاولات تغوّل الأجهزة الحكومية، التي بدأت خلال العام الماضي بهدم بعض مساكنهم وورش عملهم، بدعوى أن الأراضي المقامة عليها ملك للدولة. وأتي ذلك عقب مُطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للأجهزة الحكومية بضرورة استرداد أراضي الدولة في كافة المحافظات وإزالة التعدّيات عليها.

 

محمد عبله الفنان التشكيلي ومؤسس “متحف الكاريكاتير” في قرية تونس قال إن أراضي قرية تونس هي ملك لأصحابها منذ عشرات السنين، فهم من عمروها وزرعوها وجعلوا منها منطقة سياحية رائدة، فضلا عن مطالبتهم الحكومة منذ أكثر من 40 عاماً بتقنين اوضاعهم، موضحاً أن القرية خالية من الخدمات الحكومية الأساسية، وأن الأهالى هم من يوفرون احتياجاتهم وخدماتهم بأنفسهم.

وأضاف “عبلة” : “أصحاب القرار لم يُدركوا تداعيات تلك القرارات على أهل القرية الذين أفنوا أعمراهم فيها وجعلوها جنة، ولم تُقدّم لهم الدولة أي شيء. فلم تبن مستشفى ولا وحدة صحية، ولا مكتب للخدمات الاجتماعية”.

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.