مجتمعسياسةغير مصنف

تكريمات في عيد الثورة بحجم الإهانة للثورة ومدينة الثورة

 

 

تعيش تونس هذه الأيام على قع الذكرى الثامنة لانطلاق ثورات الربيع العربي في 17 ديسمبر 2010 من مدينة سيدي بوزيد في وسط البلاد بعد أن أقدم بائع الخضار الشاب محمد البوعزيزي على إحراق نفسه احتجاجا على إهانته ومصادرة وسيلة اكتساب رزقه من طرف دولة البوليس.

 

ثمان سنوات مرّت على الثورة التونسية التي امتدّت لتطال عروش الطغيان في الوطن العربي تمكنت خلالها تونس من وضع اللبنات الأولى لتجربة ديمقراطية متميزة في المنطقة، تحولت بعدها إلى محل أنظار العالم الحر، باعتبارها المثل الملهم من جهة، ومصدر إزعاج من جهة أخرى لمن يكفرون بالديمقراطية من طغاة الرسمية العربية.

 

فرموز النظام القديم لازالوا يحاولون تشويه الثورة والنيل من المناضلين بأشكال وأساليب مختلفة، على الرغم من عزلتهم السياسية والمجتمعيّة التي تكشف عنها صناديق الاقتراع. والكيد للثورة لم يقف عند حدود الشيطنة بل برزت بصماته في ممارسات أخرى كثيرة.

 

مشاهد نوفمبرية

في الذكرى الأولى لشرارة الثورات العربية تشكّلت بولاية سيدي بوزيد جمعيّة تسهر على تنظيم احتفال سنوي يخلّد الثورة كان من بين المشرفين عليه وجوه مناضلة شاركت في أحداث الثورة، كما ساهمت بعدها في فرض الخيار الديمقراطي والمواطني بعيدا عن المعارك الهامشية.

 

غير أن هؤلاء سرعان ما انسحبوا من الجمعيّة المذكورة وقدّموا نقدا لمن يحاولون توظيفها وتوظيف الذكرى لمآرب أخرى خاصة في ظلّ سطوة بعض الوجوه القديمة على المشهد من خلال اختراق المجتمع المدني.

 

بعد ثماني سنوات يعيد الساهرون على الجمعية المذكورة في ذكرى الثورة نفس الممارسات النوفمبرية بنفس الأساليب وحتى الوجوه فقد رافق احتفالات هذه السنة جدل واسع حول تكريمات اعتبرها كثيرون إهانة للثورة.

 

سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة عاد الاتحاد العام التونسي للشغل ليكرّم على ترابها أمينه العام الأسبق عبد السلام جراد الذي لم يكن خلال أحداث الثورة منحازا للثورة، بقدر ما كان منحازا للمخلوع ونظامه.

 

التكريم المثير للجدل لم يشمل فقط عبد السلام جراد بل شمل أيضا إعلاميين ونشطاء من المجتمع المدني في حركة اعتبرها عدد كبير من أبناء سيدي بوزيد مشهدا نوفمبريا لا علاقة له بالثورة ومسارها.

 

 

حلم متواصل

على الرغم من الهزات والعثرات الكثيرة وعلى الرغم من الأجندات المتربصة بها إلاّ أن التجربة التونسية مازالت متواصلة ومازال معها الحلم التونسي متواصلا بتركيز معالم أول ديمقراطية في الوطن العربي، فتونس “بلد صغير لكنها تطرح أسئلة كبيرة” على حد توصيف الصحفي البريطاني ديفد هيرست.

 

في شوارع سيدي بوزيد وفي مختلف مناطق البلاد لا يزال التونسيون على الرغم من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة متمسكين بثورتهم وبضرورة دعم الديمقراطية الناشئة بمضامين اجتماعيّة، وخاصة بضرورة الإسراع بالإصلاحات الكبرى التي تمكّن البلاد من تجاوز أزمتها.

 

حقّقت تونس في السنوات الثماني الماضية إنجازات مهمة على مستوى دعم انتقالها السياسي بدستور هو الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي، وبهيئات دستورية مستقلة، وبنجاحها في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، غير أنها لاتزال في حاجة إلى المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمزيد من التضحيات.

 

 

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.