ثقافةغير مصنف

ألبير كامو: الفيلسوف  المتهم

 

 لا يزال الكاتب ألبير كامو (1913-1960) يثير جدلا في الأوساط الثقافية والفكرية والدراسات ما بعد الكولونيالية ولا تزال نصوصه تحظى بالمتابعة والقراءة والنقاش بين ضفتي البحر المتوسط. فالانتماء المتوسطي الذي شكل المفارقة والأرضية الفلسفية والأدبية لهذا الفيلسوف كثفت الاهتمام بأعماله في العواصم الأكاديمية الأوروبية والشمال الإفريقية بل العالمية أيضا.

 

بين الرغبة في الاحتواء والتبنّي والمعاداة و الخصومة تنازعت نصوص ألبير كامو وشخصياته القراءاتُ السلبية  والإيجابية القائمة على الاتهام و التبرئة والأحكام الجاهزة والاعتراف ،كما تناولت بعضَ نصوصه دراساتٌ خارج السياقات التّاريخية والزمنية ممّا جعل هذا الفيلسوف في قفص الاتّهام والإعجاب فاتّسمت نصوصه بالضبابية.

 

ما إن يرد اسم ألبير كامو في بعض المجالس الأدبية والحلقات الثقافية حتى يعاد ذكر الجملة التي قالها صاحب جائزة نوبل في ندوة صحافية في ستوكهولم  سنة 1957 “لو خيّرت بين العدالة وأمّي، لاخترت أمي” وهو يقصد هو فرنسا.

 

 

ويختزل مسار كامو في هذه العبارة وتطلق الأحكام وتصدر التأويلات وتقتصر انجازات الرجل الفكرية والإعلامية والأدبية عند هذه الجملة . لقد باتت هذه العبارة مصدر إدانة لألبير كامو، فأمسى المدافعَ عن المستعمر والرجل الأبيض و من أنصار الجزائر الفرنسية ومن مناصري أقدام السود.

 

و في سياق نفس المحاكمة تتم قراءة رواية الغريب التّي حاز بفضلها و باقي أعماله جائزة نوبل للأدب في سنة 1957 على أنها رواية إقصائية و تهميشيه  و عنصرية تعبّر عن التجاهل الكلي للمكوّن الجزائري و نعته بالعربي فقط كحالة مجهولة           و يرسم الجزائر على أنه مساحة جغرافية جميلة يبدع في وصف شواطئها والطبيعة والطقس دون الالتفات إلى معاناة أهاليها أو الحديث عنهم.

 

 

وفي الاطار ذاته يذهب البعض الآخر في تأويلات ساذجة وإسقاطات مشوهة عند قراءة رواية الطاعون التي تتحدّث عن وباء الطاعون الذي شاع في مدينة وهران ، والوباء حسب تلك القراءات  مصدرها  العربي الذي يحاصر المدينة عبر ظاهرة تَرْيِيفِ المدينة و هذا  العربي هو الذي يغير  أساليب عيش النّاس بداخل المدينة فيجعلها ريفا.

 

تعقد أحيانا أوجه المقارنة بين ألبير كامو  و “جون الموهوب عمروش” و “فرانز فانون”  في تحديد خيارتهم السياسية، يختار جون عمروش الجزائري المسيحي و فرانز فانون الوقوف بجانب الثورة والمطالب بالاستقلال بينما يختار البيركامو موقف الحياد.

 

مجمل هذه القراءات المحاكماتية  تجاه كامو، يتمّ فيها إخضاع نصوصه إلى رؤية ضيقة و زاوية محدودة وخلفيات معينة، انطلاقا من حساسيتنا الثورية الوطنية تجاه هذا الآخر و يتمّ إحالة جميع أعمال كامو إلى معايير ضيّقة في الدراسة والقراءة و التقييم  فنُحاكم الغير وفق تصوراتنا وخيارتنا التّاريخية الدّغمائيّة.

 

 

 

في الطرف المقابل من المتوسّط لم تكن وضعية كامو أكثر راحة ، فقد عرف ألبير كامو حالة من الإقصاء والتّهميش  في العواصم الثقافية الفرنسية و الميتروبول الباريسي و كان ضحية السخرية  والإشاعات و النقد خاصة من مناصري التّيار الوجودي بقيادة جون بول سارتر و سيمون دي بوفوار  و من مناصري التيار السياسي الشيوعي.

 

خلفيات هذا التصادم و العداوة يعود بالأساس إلى عدم تقبّل النخبة الباريسية اقتحام كامو الوسط الثقافي بقوة و تفوقه الأدبي و الفلسفي أين أثبت حضورا  كمرجعية في الفكر الفلسفي المعاصر  داخل هذا  الوسط الضيق و المنغلق .. لقد كان يوصف في تلك الأوساط بصاحب الأصول الفقيرة ، و ابن العامل  البسيط ، والأم الجاهلة التي تعمل معينة في البيوت ،           و المنحدر من الريف و الأحياء الشعبية البائسة في المستعمرة الجزائرية ، والمريض بالسلّ . لم يكن ألبير كامو خرّيج كبرى الجامعات ، خلافا للنخبة الفرنسية التي تنتمي لعائلات البرجوازية  ، خريجة المدارس الكبرى ،  والمنحدرة من طبقة راقية حضرية ، تعتقد أن الثقافة شيء يورث و لا يمكن اكتسابه.

 

الجدير بالذكر و الملاحظة أن “جريدة لوموند “هي من أخذت على عاتقها مهمّة التشهير بعبارة “لو اخترت بين العدالة و أمي لخترت أمي” فلماذا؟

 

 

كان على رأس جريدة لوموند  السيد  هوبير بوف ماري 1944-1969 الذي كانت له حساسيات تجاه ألبير كامو ، فقد كان كامو  ينشط في صحيفة سرّية مقاوماتية  ” المعركة”  إبان الاحتلال الألماني لفرنسا . و في المقابل كان هوبير بوف ماري قريبا من دوائر حكومة فيشي، و خلال نفس الفترة تعرض كامو  إلى انهيار عصبي نتيجة  الحملات التشويهية و الإساءة و الضغط الاعلامي . و قد قرر خلالها  التوقف عن الكتابة والإدلاء بأي تصريحات صحفية  و كان مدير جريدة لوموند بالمرصد له مردّدا  ” اعرف أنّ كامو سيقول وقاحة يوما ما  “. و لمّا صدرت الجملة  بدأت حملة التأويلات عبر الصحف الفرنسية اليسارية     و المحافظة تتناول  العبارة على أن كامو يدافع عن الكولون و الرجل الأبيض و أقدام السود ، بهدف إضعافه و تقويض منزلته المعرفية و الأكاديمية.

 

و لم يغفر  التيار الشيوعي الفرنسي إقدام كامو على الانتقاد و الهجوم على الاتحاد السوفياتي ، الذي ذهب إلى حدّ وصفه   و مقارنته بالنظام النازي و الهتلري عبر إقامته مراكز الاعتقال و التعذيب ، فأشعل أنصار التيار الشيوعي الحرب عليه من خلال التشهير بموقفه خاصّة تجاه الثورة التحريرية.

 

 

إنّ رصيد ألبير كامو تجاه القضية الجزائرية و الأهالي أبعد من القراءات السطحية التي تناولت رواية الغريب و الطاعون، ففي سنة 1939 كتب ألبير كامو مجموعة من مقالات صحفية عن البؤس في منطقة القبائل  نشرت في جريدة يسارية “الجزائر الجمهورية ” والجملة التي بدأ بها المقال هي ” ذات صباح  باكر رأيت في تيزي وزو أطفالا بألبسة ممزقة يتنافسون مع الكلاب على محتويات قمامة الزبالة”.

 

كان كامو من بين الأقلام القليلة  الأوروبية التي تناولت وضعية الاهالي المأساوية في الصّحف العالمية يصف فيها الظروف القاسية التي كان يعيش فيه الانسان الجزائري . لقد تقاسم مع الأهالي المعاناة و الاحتقار و تبادل الإحساس بالجزائرية . لقد كان عادلا  وصادقا في وجه حملة الاضطهاد التي طالت مصالي الحاج  1898-1974 ، و أعاب على الحزب الشيوعي الفرنسي تخاذله في مساندة الرجل ، ممّا تسبب في إقصائه من الحزب نهائيا و دافع عبر مقالات صحفية  عن الشيخ الطيب العقبي 1890-1961 لما اتُّهِم بقتل مفتي العاصمة ، و كتب ستّ مقالات نشرت في جريدة “المعركة” عن أحداث    8 ماي 1945 وصف فيها المجازر  و المذابح التي اقترفت تجاه الأهالي من الجزائريين.

 

 

لا بدّ  لنا من قراءة ألبير كامو في إطاره الصحيح ، بعيدا عن المقارنات بين مثقفي الوطن و مثقفي الميتوربول ، لقد شكّلت جغرافية الميلاد و جغرافية المعرفة التباسا أمام كامو في خياراته السياسية التي توصف بالحياد . لكن هذا لم يمنعه من المشاركة  في نداء المصالحة و الهدنة سنة  1956 في نادي الترقّي بالعاصمة و ضمّ صوته إلى العناصر الوطنية كفرحات عباس ، و الشيخ العقبي ، و عمر أوزقان في محاولة  وقف الحرب و استنكر استخدام العنف و القوة في التسوية السياسية    و نادى بضرورة إيجاد أرضية توافقية تجمع بين المجتمع الأوربي و المجتمع الجزائري ، انطلاقا من موقعه كفيلسوف . كان كامو متخوفا من صعود الخطاب الوطني الإقصائي و الأحادي و كانت النّظرة الإنسانية و الحياتية عنده تتعدى الصراع بين الأفراد      و الجماعات تجمعهما جغرافية واحدة.

الوسوم

عمار لشموت

مدون ومهتم ومتابع للشأن الثقافي والسياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.