دين وحياة

مولانا وليلة شب عروس حين التقى العاشق بالمعشوق

 

“شب عروس” أي ليلة العرس عند الأتراك ولكنها على عكس معانيها، فهي تعني إحياء مناسبة تعلقت بذكرى الموت وتحديدا بذكرى وفاة المتصوف الشهير جلال الدين الرومي المعروف بـ “مولانا”.

 

وتُعرف ليلة وفاته بـ”شب عروس”، لأنها الليلة التي كان ينتظرها الرومي للقاء الذات الإلهية، وإحياء لهذه الذكرى تشهد مدينة قونيا التركية، التي تضم ضريحه، سنويا، احتفالات ثقافية ودينية، تخللها رقصات صوفية تعرف بالوصلات.

 

 


“العالم المتصوف جلال الدين الرومي كان يعتبر الموت، بمثابة ولادة جديدة، وليس نهاية”، وفق تعبير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أضاف أنه “التزاما بوصيته ونصيحته، فنحن نحيي ذكرى وفاة حضرة مولانا، كيوم عرس، التقى فيه العاشق بالمعشوق، منذ 745 عاما”.

الرئيس التركي أشار أيضا إلى أن العشق الإلهي، هو السر الكامن وراء سطوع نجم وخلود ذكر الرومي إلى يومنا هذا رغم مرور عصور على رحيله، الذي اختار طريق العشق من بين طرق عديدة توصل إلى الله” وفق ما قاله مولانا.

رئيس الشؤون الدينية التركية، علي أرباش، أكد أيضا أن التصوف بالنسبة لمولانا، الذي كان إسلاميا متفكرا، استوحى إلهامه من القرآن والسنة والمبادئ العالمية للإسلام وأفق الحب والسلام، لم يكن يعني الكسل والمسكنة، وإنما الكد والعمل والاجتهاد والتشارك والكرم والإنفاق، مشيرا إلى أنه لجلال الدين الرومي نصيب كبير بتحويل منطقة الأناضول إلى وطن للقيم والسلام.



أهم ما يميز مراسم احتفال مدينة قونيا التركية، هو رقصة السماح والتي تعرف أيضا بالطريقة المولوية، وهي طقوس الرقص الدائري حول النفس، يقال إن أتباعه وإبنه سلطان ولد، قد قاموا بتأسيسها بعد وفاته. ورقصة السماح تعرف بأنها طريقة صوفية، تمارس على أنغام موسيقى روحية وأشعار لجلال الدين الرومي.

ويعتبر ممارسو رقصة السماح أنها وسيلة لذكر الله والوصول إليه، وذلك تتبعا لمولانا الرومي، الذي كان يعتقد أن جميع الكائنات في حالة دوران، تقوم به وهي تذكر الله”.


رقصة السماح المولوية تتميز بفرادة المعنى والروح وكساء الجسد، فهي لا تمارس دون توفر الإحساس بالعشق المتناهي يكتنف الروح التي تنقطع عن كل ما له علاقة وارتباط بالعالم الخارجي، ويختصها مريدوها بلباس التنورة البيضاء التي تربط عند الخصر بحزام رفيع وفوقه حزام أسود عريض، ولباس أبيض، وجبة سوداء، وقبعة يطلق عليها سكه.

ومن طقوس رقصة السماح هي القيام بتقبيل جميع أجزاء الملابس قبل ارتدائها، وهو ما يمثل تعبيرا عن التقدير لجميع الكائنات.



تلميذ التبريزي

ويعرف جلال الدين الرومي، بأنه شاعر وعالم صوفي فارسي الأصل تركي الموطن، من أبرز أعلام التصوف الفلسفي في التاريخ الإسلامي وأكثرهم تأثيرا على مر العصور، وقد وصف بأنه صاحب رؤية تمثل رسالة عالمية تخاطب كافة حضارات العالم باعتبارها مصدر إلهام لكل الناس، وقد لقب الرومي خلال مسيرته بمدينة قونيا التركية ب“إمام الدين” و”عماد الشريعة”، كما سمي ب “سلطان العارفين”.


بداية تصوف جلال الدين الرومي، ارتبطت بلحظة لقائه مع الشيخ الفارسي، شمس الدين التبريزي، الذي أثر بالغ التأثير في نفس الرومي، واجتذبه نحو الإنصهار في عالم التصوف واتجه به إلى العلوم الباطنية.

وقد ذكر بعض الباحثين أن “الشيخ التبريزي كان أكثر شيوخ الرومي فضلا عليه وأقواهم تأثيرا فيه، لأنه الشخصية التي جعلته يسلك طريقه الصوفي الفلسفي ويتمثله فكرا وممارسة، بعد أن كان منقطعا إلى العلوم الشرعية والعقلية السائدة في عصره آنذاك”.

وهو ما أكده جلال الدين الرومي، الذي نقل عنه قوله “إن شمس الدين التبريزي هو الذي أراني طريق الحقيقة، وهو الذي أُدين له بإيماني ويقيني”.

 

وقد عكف الرومي على الإنزواء والإنعزال في عالم التصوف، لكنه لم يغفل عن ترجمة عالمه إلى كتب ومؤلفات، أصبحت مراجع العديد من المهتمين من العلماء والباحثين والفلاسفة، و من أبرز مؤلفاته “المذهب المثنوي” في الشعر، الذي استغرق تأليفه 7 سنوات، ويوصف بأنه من ذخائر التراث الأدبي العالمي، وتظهر فيه شخصيته الفكرية المتصوفة.

إلى جانب العديد من المؤلفات من أبرزها “ديوان شمس الدين التبريزي” الذي يحتوي ألف بيت سجل فيها ذكرياته مع أستاذه الأثير لديه التبريزي، و”الرباعيات” التي يبلغ عددها 1959 رباعية، وكتاب “فيه ما فيه”، الذي يتضمن دروسا ألقاها في مجالسه العلمية وإجابات عن أسئلة وجهت إليه في مناسبات مختلفة، و”مكاتيب”، و”مجالس سبعة”.

 

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق