اختيار المحررينثقافة

الموروث الشعبي الموسيقي في تونس: لجوء فني أم حاجة للتغيير؟

 

 

أمام عجز الفنانين التونسيين عن التجديد والإضافة، تبقى الأغاني التراثية والشعبية اليوم، هي الوحيدة القادرة على استيفاء القيمة الفنية واستقطاب الجماهير في تونس.

يما لسمر دوني، حمة، خديجة، يماّ.. وغيرها من الأعمال التي لامست إيقاعاتها مختلف الشرائح الاجتماعية في البلاد وتملّكت القلوب، هي أعمال تنضوي ضمن الموروث الشعبي الذي يحاكي الذاكرة ويربط الأزمنة والسياقات بين العتيق والحديث.

 

فتوجّه الفنانون الجدد إلى إعادة توزيعها وإعطائها طابعا عصريا من خلال الفيديو كليب والمؤثرات الفنية لتحقيق أكثر نسب مشاهدة بالاعتماد على الوسائط الافتراضية الجديدة.

 

 

إن عملية إعادة الإنتاج الجديدة لا تتطلب إمكانيات مالية كبيرة، بقدر ما تخضع لأهمية اختيار العمل، و الإضافة التي سيقدمها الفنان دون مسخ هوية العمل الأصلي.

وتعتمد أساسا على التسويق الذي يعد اليوم العمود الفقري لأي عمل فني يصبو إلى النجاح والانتشار، خاصة عبر استغلال الوسائط المتعددة التي أتاحتها الطفرة الإعلامية الجديدة، علاوة على الميديا التقيلديّة.

وقد أكدت الفنانة التونسية أسماء بن أحمد، التي أصدرت مؤخرا أغنية “مرّ فراقك” الشعبية ومن قبلها فيديو كليب أغنية حمة، أنها اختارت الموروث الشعبي وفق مساحة الإبداع المخولة لها في إطاره.

وقالت لميم إنّ عمل “مر فراقك”  للشاهد الأبيض فرض نفسه ومنحها قدرة على العمل والتجديد”.

وتابعت بن أحمد أن حرصها على إحياء التراث ليس توجها فنيا ثابتا بقدر ماهو  منحى مهم متأت من إيمانها بقيمة الفن التونسي القادم من الأعماق، الذي لا يعرفه الجمهور.

وبينت أن تقديمها للموروث الشعبي في صورة جديدة سيفيد العمل محليا ويسوق له عربيا، فتكون بذلك قد حفزت في الذاكرة المحلية من جهة، وساعدت على نشر تلك  الأغاني خارج البلاد من جهة أخرى.

 

 

أسماء بن أحمد من الفنانات الشابات في تونس اللاتي يمتلكن قدرات صوتية عالية. وهي اليوم في مواجهة سوق فنية تقوم على العرض والطلب، وتتغير فيها المعايير حيث تسبق الصورة اللحن والكلمة. ويصعب فيها تقديم مادة جديدة خاصة إذا لم يكن الفنان مدعوما من شركة إنتاج تتكفل بأعماله الخاصة.

تقول بن أحمد إن العودة إلى الموروث الشعبي ظاهرة عربية وليست تونسية فقط باعتبار أن الموروث وصفة مضمونة وناجحة، تعد مغامرة من زاوية أن الفنان سيعيد إكساء عمل ناجح  مسموع وراسخ ليقدمه إلى جيل جديد، وليست مغامرة من زاوية أن الفنان غير مسؤول عن الأغنية، بكلماتها ولحنها.

واعتبرت بن أحمد أنه “من الصعب جدا تقديم أغنية جديدة لحنا وكلمة، لغياب عجلة إنتاج ضخمة، خاصة وأن السوق التونسية ضيقة جدا، علاوة على غياب الطلب على الملحنين والشعراء مما خلق حالة من التقاعس على مستوى الإبداع، وهو ما دفع إلى تشتت المبدعين  وغياب التأطير.

في المقابل أكدت أن إعادة الإنتاج في حد ذاته إبداع، لأن أي مشروع فني يتطلب تصورا على مستوى الطرح والتوزيع ورؤية جديدة عبر اعتماد تقنية الفيديو كليب.

من جانبها تحدثت الفنانة التونسية، شهرزاد هلال عن تجربتها في  إعادة إحياء أغاني التراث، بعد إصدار ألبومها عام 2010، وكان اختيارها سنة 2014 على “ياحمامة طارت” ثم أغنية “يما”.

تقول هلال في حديثها لميم إنها اختارت الأغاني الغير متداولة وعير المستهلكة، لضمان الشرط الإبداعي فيها، واتسهيل تقديمها  للجمهور.

 

 

وبينت أن “مهمة الفنان المثقف هو أن يحفر في الأرض ويخرج الدرر الثمينة التي لا يعرفها أحد، فكانت هذه مهمتي”.

صدرت أغنية ” يما” منذ سنة، على طريقة الفيديو كليب، عززت من خلالها هلال الطابع التونسي، بعد أن اختارت التصوير داخل فضاء معماري قديم يتماشى مع طبيعة الأغنية.

وأكدت لميم أن عملها يكتسي إبداعا على مستوى إعادة الإنتاج، ولم تفكر يوما في التوجه إلى هذا المنحى القني بهدف الاقتصاد في التكلفة، إيمانا منها بأن الفنان لا يمكن أن يفرض نفسه إلا بإنتاجه الخاص.

وقالت ” ما قمت به بمثابة عمل خيري وإنجاز عظيم، لأنني تجاوزت فيه مرحلة التسجيل، وأنفقت 40 ألف دينار من أجله.

تعتبر شهرزاد هلال من الفنانات التونسيات اللاتي صنعن إسما فنيا بفضل الأغنية التونسية دون البحث عن غيرها من أجل الانتشار عربيا. ومما ساعدها على النجاح، دراستها للموسيقى، واطلاعها على الساحة الفنية.

وهي ترى أن الفن كغيره من المجالات الأخرى، ينقسم القائمون عليه بين الباحثين عن الجودة، والباحثين عن الربح، خاصة مع صعود موجة الcover، التي أنجحت العديد من الفنانين.

وقالت “الفن مثل ايّ مجال آخر فيه الحلال والحرام، أي من يعمل بضمير ومن يغش، من يعمل لهدف ثقافي ومن يعمل لهدف تجاري بحت. وأكدت أن إعادة إنتاج أغنية معروفة، من أجل كسب “العرابن” في الأعراس لا يعنيها.

تعد هلال أول فنانة تونسية قدمت أغنية “يا حمامة طارت” في 2014 وحافظت على هويتها الموسيقية  الشعبية، قبل أن يقوم “الشاب بشير وآرمستا” بإعادتها عام 2016، حيث حظيت بجماهيرية كبيرة، وبلغت حتى الآن قرابة 85 مليون مشاهدة على يوتيوب.

 

 

تقول هلال إن عملية إحياء التراث هي مهمة تجديدية، لأن الفنان يكسر بذلك حاجز التحنيط عن ذلك المخزون، ليتجاوز نطاق المتحفية ويبث فيه الروح، بشرط أن يكون هناك إبداع وبحث وتوزيع وفرض لبصمة الفنان، على غرار بعض الأغاني الكلاسيكية الخالدة مثل أعمال سيد درويش التي تمت إعادتها، وأغنية على حسب وداد التي أداها عبد الحليم حافظ وكانت مأخوذة من التراث الشعبي المصري.

تبقى الأغنية الشعبية حمالة معاني ودلالات، وقادرة على تحقيق نجاح كبير لحاجة الجمهور إلى شحنة من الماضي، خاصة وأن الموروث التونسي مشحون بالتعابير التي تعجز عنها الأغنية الحديثة من جهة، كما يعجز الفنان اليوم عن تقديم أعمال جديدة تضاهيها، بسبب ضعف الإنتاج وغياب الإمكانيات المادية.

وهكذا فقد أصبح الموروث أشبه بمنطقة اللجوء الفنية التي تضمن القيمة الاعتبارية والجماهيرية والشهرة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.