مجتمع

السجون التونسية بعد الثورة: من التوحش إلى الأنسنة

 

بعد ثورة 14 جانفي 2011  تحاول المنظومة السجنية كسر الصورة النمطية التي اتسمت بهما منذ سنوات، حيث تفننت الأنظمة السياسية المتعاقبة  في تعذيب معارضيها وتحويل السجون التونسية إلى أماكن تسلط فيه أبشع الجرائم وأشنع طرق التعذيب الممنهج ضد السجناء السياسيين.

 

 

وكانت السجون التونسية وخاصة في عهدي بورقيبة والمخلوع بن علي عبارة عن نقاط سوداء الداخل منها مفقود والخارج منها مولود. وكانت فترة المخلوع من أشد الفترات وطأة على المعارضين السياسين، الذين  تعرض  آلاف منهم إلى التعذيب حتى مات بعضهم واختفى البعض الآخر.

حقائق بشعة وجرائم اقترفت في حق المعارضين للأنظمة التونسية، كشفت عنها هيئة الحقيقة والكرامة خلال جلسات الاستماع التي كانت تضمنت شهادات لهم تُحاكي هول ما تعرضوا له في غياهب السجون.

 

 

وجاءت ثورة الياسمين وهي تنشد التغيير في جميع المؤسسات الأمنية والسجنية. فكان أن فتحت أبوابها للتقويم والتغيير أملا في كسر الصورة النمطية التي لازمتها منذ عقود.

وقامت المنظومة السجنية في غضون ثماني سنوات بادخال الكثير من التعديلات على برامجها ومخططاتها حيث فتحت الطريق أمام الفنانين والمسرحيين لينشطوا ويقدموا عروضهم الفنية إلى نزلاء السجون، الذين ساهموا بدورهم في إنتاج أعمال ثقافية وعروض مسرحية شاركوا بها في عدة مهرجانات وقدموا في الكثير من دور الثقافة في تونس.

المؤسسات السجنية تحولت أيضا إلى فضاءات علمية لتأطير التلاميذ والطلبة، فسهلت لهم استكمال دراستهم وختم شهائدهم العلمية من وراء قضبان السجون.

نزيل يتحصل على شهادة الماجستير

حادثة شهدها سجن برج العامري الأسبوع الفارط تبرز ولو نسبيا المخطط الذي تنتهجه وزارة العدل في تغيير صورة سجونها لدى التونسيين ولدى المنظمات الدولية والحقوقية، حيث تحصل يوم السبت 15 ديسمبر 2018 أحد نزلاء السجن المدني ببرج العامري على رسالة ماجستير في اختصاص فلسفة بالمعهد العالى للعلوم الإنسانية بتونس (إبن شرف).

 

 

ونال السجين رسالة الماجستير في الفلسفة بملاحظة حسن جدا وأسندت اللجنة عدد 18 من 20. وقد واكبت عائلة السجين حفل مناقشة الرسالة بمقر معهد ابن شرف.

وفي هذا السياق يقول الناطق الرسمي باسم الادارة العامة للسجون والإصلاح، سفيان مزغيش إن  ادارة السجن المدني ببرج العامري وفرت للسجين المقيم لديها جميع المراجع والكتب والفضاء الملائم لينجز جميع بحوثه ودراساته ليتمكن في نهاية الأمر من إحراز شهادة الماجستير في الفلسفة.

 

 

ولقى النزيل كل الدعم والتشجيع ليحصد هذا النجاح الباهر ويتحصل على ملاحظة حسن جدا بمعدل 18 من 20. وأضاف سفيان مزغيش في تصريح لمجلة “ميم”:” لمسنا الرغبة الشديدة لدى النزيل البالغ من العمر 29 سنة في استكمال تعليمه الجامعي بعد دخوله إلى السجن، فاستجابت له الإدارة، ووفرت له جميع الامكانيات  من تأطير ومراجع ليحقق حلمه”.

وأفاد أن عددا هاما من التلاميذ المحكوم عليهم بالسجن تمكنوا بنجاح من اجتياز امتحانات الباكلوريا، منوها بمجهودات أعوان السجون الذين شجعوا وهيئوا لهم الظروف المناسبة لإجراء اختبارات الباكلوريا.

 

سفيان مزغيش: الناطق الرسمي باسم الادارة العامة للسجون والإصلاح

 

طكا انكبت ادارة السجون في مختلف مؤسساتها على تنفيذ برنامج تعليم الكبار والذي  يهدف إلى الحد من نسبة الأمية في صفوف السجناء وقد استفاد من هذا البرنامج أكثر من700 سجين.

عروض ترفيهية وأعمال فنية من إنتاج السجناء

ولا تمنع عقوبة  السجن في تونس حصول النزيل على حقه في الثقافة والأنشطة الترفيهية ، حيث أعدت وزارة العدل برنامجا ثقافيا متنوعا لفائدة السجون التونسية، وذلك من خلال بث عروض مسرحية وسينمائية وإحداث نوادي مسرحية للمساجين يشرف عليها أساتذة المسرح وممثلون على حد تعبير مزغيش لميم .

وأضاف أنه تم بعث إذاعة داخلية في السجون التونسية وذلك في إطار تنفيذ الاتفاقية المبرمة بين وزارتي العدل والثقافة.

من  مسرحية “الوجيعة” إلى مسرحية “الدبو”

ولم يقتصر دور السجناء على مجرد المتابعة وإنما تمكنوا من خلال حصص التأطير والتدريب على إنتاج أعمال مسرحية ومن بينها مسرحية “الوجيعة” وهي  أول عمل مسرحي يرى النور في سجن برج الرومي بولاية بنزرت.  ومسرحية ثانية تم عرضها الثلاثاء الفارط وكانت تحت عنوان “الدبو”.

 

 

العمل المسرحي “وجيعة” استغرق قرابة السنة والنصف من العمل الشاق والمتواصل  الذي جمع المخرج الشاب محمد أمين الزواوي و19 سجينا ليتوج بعرضه ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية التي ختمت فعالياتها  لسنة 2017.

وبعد مرور حوالي السنة تمكن أيمن الزواوي رفقة 8 سجناء من برج الرومي، من إنتاج عمل مسرحي جديد نال إعجابا كبيرا من الجمهور والنقاد اختار له عنوان “الدبو”.

 

 

وفي حديث لمجلة “ميم” يقول المخرج أيمن الزواوي إن مسرحية “الوجيعة” و”الدبو” تندرجان ضمن مشروع “المختبر المسرحي” في سجن برج الرومي ببنزرت الذي يتضمن جملة من الدروس النظرية والتطبيقية ويقدم  جملة من المهارات وحلقات تكوينية لعدد من النزلاء بالسجن المذكور.

 

المخرج أيمن الزواوي

 

وأضاف الزواوي أن الهدف من المختبر ليس فقط إنتاج أعمال مسرحية بقدر ماهو اتاحة الفرصة للمساجين لقتل أوقات فراغهم والتعبير عن مهاراتهم وهواجسهم، مشيرا إلى أن المشروع يمتد على مدى ثلاث سنوات، تم خلالها إنتاج عملين مسرحيين الأول وهو مسرحية “وجيعة” الذي دام قرابة السنة والنصف أما العمل الثاني فيتمثل في مسرحية “الدبو” التي تم عرضها في أيام قرطاج المسرحية دورة 2018.

 

 

وعن فحوى العمل المسرحي أكد الزواوي أن المسرحية تُحاكي الواقع التونسي وهو شبيه بـ”الدبو” الذي يمكن أن يكون السجن أو البلاد التي تهددها مخاطر من جميع النواحي.

وأفاد أن الهدف من هذا المشروع هو إصلاح السجين وإعادة ادماجه في المجتمع من جديد مشيرا إلى أن أربعة سجناء ممن شاركوا في مسرحية “وجيعة” قد أطلق سراحهم، وتمكنوا من الاندماج في المجتمع وممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

وعقب بالقول إن ما يطمح له مشروع “مختبر المسرح” هو أن لا يعود السجين إلى مربع الجريمة من جديد

 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.